على عتبة موسمٍ جديد، تقف أراضي الجزيرة السورية بانتظار الجرارات وهي تشق خطوطها الأولى مجددًا في التربة، فيما يقف المزارع في الجهة الأخرى من المشهد، يحسب كلفة الحراثة، وثمن المازوت، وسعر البذار والأسمدة، ويقلب في ذاكرته موسمًا مضى وما تزال مستحقاته معلقة منذ أشهر.
كان يفترض أن تتحول عائدات القمح والمحاصيل المسلّمة إلى المصارف الزراعية إلى بذار جديد في الأرض، وإلى وقود يدفع الجرارات، وأجور لعمال ينتظرون دورهم في موسم آخر. لكن تأخر الصرف جعل أموال الموسم السابق عالقة في منتصف الطريق، بينما بدأت تكاليف الموسم الجديد بالصعود قبل أن تبدأ الزراعة.
في ريف الحسكة، يحمل المزارعون أرقام فواتيرهم، ويحملون معها قائمة طويلة من الالتزامات المتراكمة، حيث إنهم لا يعلقون آمالا عريضة على مكاسب مالية إضافية، بقدر ما يرجون من تلك الفواتير أن تسد عنهم سيول تلك الالتزامات، التي قد لا تبقي ولا تذر.
التدابير الحكومية بتقنين صرف تلك المستحقات شكلت عبئًا كبيرًا على المزارعين، فكل دفعة متأخرة تحمل معها فاتورة أخرى ترتفع قيمتها في السوق. المازوت له سعر، والجرار له أجرة، والبذار والأسمدة تتحرك أسعارها مع حركة السوق وسعر الصرف. وحتى المال الذي ينتظره المزارع يفقد جزءًا من قدرته على شراء احتياجاته كلما امتدت فترة الانتظار.
وفي قلب هذه الصورة، يظهر المازوت بوصفه أحد أثقل أعباء الموسم. فالحراثة وحدها قد تصل كلفتها إلى نحو 20 دولارًا للدونم، وفق مزارعين، ما يجعل تجهيز الأرض مهمة تحتاج إلى سيولة كبيرة منذ اللحظة الأولى. آلاف الدونمات تنتظر الجرارات، والجرارات تنتظر الوقود، والوقود يحتاج إلى مال حاضر، بينما المال الذي يعوّل عليه المزارع ما يزال متواريًا في أفق الانتظار.
هكذا تضيق المسافة بين الأزمة المالية والأرض. فالمزارع حين يؤجل حراثة قطعة من أرضه، يؤجل معها خطوة من خطوات الموسم. وحين تتأخر الخطوة الأولى، يصبح الوقت أكثر ضيقًا أمام البذار ومواعيد الأمطار وبقية مراحل الزراعة.
مشهد يحمل قلقًا يتجاوز قيمة فاتورة أو موعد دفعة. ففي منطقة تشكل الزراعة أحد أعمدة اقتصادها ومعيشة أهلها، يمكن لتعثر السيولة أن يمتد من جيب المزارع إلى مساحة الأرض، ومن مساحة الأرض إلى حجم الإنتاج في الموسم المقبل، ما ينعكس على جميع تفاصيل الحياة التي لا تحتمل المزيد من التأجيل.
