لم تكنْ رحلةَ قواتِ سوريا الديمقراطية خلالَ أكثرَ من عقد مجردَ مسارٍ عسكريٍ عابر فرضته ظروفُ الحرب السورية، بل كانت تجربةً طويلةً مرت بمحطاتٍ متتالية، بدأت في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً ودموية في تاريخ سوريا الحديث، عندما كانت البلاد تعيش على وقع الحرب والانقسام وانتشار التنظيمات المسلحة وتوسع التدخلات الإقليمية والدولية، وانتهت بانتقال هذه القوات من موقع القوة العسكرية المستقلة إلى مرحلة جديدة عنوانها الاندماج ضمن المؤسسة العسكرية السورية والمشاركة في بناء الدولة.
منذ انطلاقتها، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها أمام مهمة شديدة التعقيد، تمثلت في حماية مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، ومواجهة تنظيم داعش، والدفاع عن السكان، ثم التعامل مع سلسلة طويلة من التحديات الأمنية والعسكرية والسياسية، وصولاً إلى الدخول في مفاوضات مع دمشق حول مستقبل البلاد وشكل المؤسسة العسكرية والأمنية فيها.
وبين لحظة التأسيس عام 2015 والإعلان عن انتهاء مهمة القوات كقوة عسكرية مستقلة في آب عام 2026، مرت قوات سوريا الديمقراطية بمراحل عديدة، من التأسيس والتوسع، إلى خوض المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش، والتحالف مع المجتمع الدولي، ومواجهة الهجمات التركية، ومكافحة خلايا التنظيم الإرهابي بعد سقوط معاقله، ثم الانتقال إلى التفاوض السياسي والعسكري مع دمشق، وصولاً إلى إعادة تنظيم قواتها ودمجها ضمن ألوية الجيش السوري.
ولادة في قلب الفوضى السورية
كانت سوريا، مع حلول عام 2015، قد دخلت مرحلةً شديدةَ التعقيد من الحرب. فالحراك الشعبي الذي بدأ في ربيع عام 2011 تطورَ إلى صراعٍ واسع متعدد الأطراف، وتداخلت فيه القوى المحلية والإقليمية والدولية، بينما تفككت البنية العسكرية والأمنية في أجزاءٍ واسعة من البلاد، وانتشرت عشرات الفصائل المسلحة ذات الأهداف والولاءات المختلفة.
وفي الوقتِ ذاته، كان تنظيمُ داعش الإرهابي قد تحوَّل إلى واحدٍ من أخطر التهديدات التي واجهتها سوريا والعراق، بعد أن تمكَّن بين عامي 2013 و2015 من توسيع مناطق سيطرته وإقامة بنيةٍ عسكرية وأمنية واسعة، مستفيداً من حالةِ الفوضى والانقسام التي كانت تعيشها المنطقة.
وفي شمال وشرق سوريا، برزت في تلك المرحلة الحاجة إلى صيغةٍ عسكرية تجمعُ قوى مختلفة في مواجهة التنظيم، وتقوم على فكرة العمل المشترك بين المكونات السورية، بعيداً عن حصرِ المواجهة في إطارٍ قومي أو طائفي واحد.
ومن هنا جاءت فكرةُ تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، التي أُعلن عن تأسيسها في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2015، بعد سلسلةٍ من اللقاءات والاجتماعات بين قوى عسكرية كردية وعربية وسريانية، اتفقت على تشكيلِ مظلةٍ عسكرية مشتركة.
وضمَّت التشكيلة الأولى وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، وقوات الصناديد، وتجمُّع ألوية الجزيرة، والتحالف العربي السوري، والمجلس العسكري السرياني، وجيش الثوار، وغرفة عمليات بركان الفرات.
وكانَ الهدفُ الأساسي المعلن هو توحيدُ الجهود العسكرية في مواجهة تنظيم داعش وبقية التهديدات، إلى جانبِ طرح رؤية لسوريا تقومُ على الديمقراطية والمساواة والعدالة، وعلى مشاركةِ مختلفِ مكونات المجتمع السوري في مستقبلِ البلاد.
وبذلك لم يكن التأسيس مجردَ إضافةَ فصيلٍ عسكري جديد إلى خارطة الصراع السوري، وإنما محاولةٌ لتشكيلِ قوةٍ متعددة المكونات، تضمُّ الكرد والعرب والسريان وغيرهم، في منطقةٍ كانت بحاجة إلى صيغةٍ أمنيةٍ قادرةٍ على مواجهة تنظيمٍ متطرف توسّعتْ رقعةُ سيطرتهِ بسرعةٍ كبيرة.
بناء مؤسسة عسكرية متكاملة
بعد التأسيس، لم تتوقفْ عمليةُ بناء قوات سوريا الديمقراطية عند حدودِ جمع الفصائل العسكرية، بل بدأت القوات العمل على إنشاء هيكل تنظيمي أكثر تماسكاً.
وفي الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 2016، عُقد أول اجتماع للمجلس العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، وتم خلاله إقرار النظام الداخلي وتشكيل المجلس العسكري باعتباره هيئة عليا، قبل أنْ يتم في اليوم التالي إقرار النظام الداخلي للقوات ووضع الأسس التنظيمية والهيكلية لعملية القيادة والإدارة العسكرية.
ومع مرور السنوات، تطورت البنية العسكرية، وظهرت وحدات متخصصة قادرة على التعامل مع أنواع مختلفة من المهام. فتمَّ تشكيل القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب عام 2018، وقوات التدخل السريع والاستخبارات العسكرية عام 2019، ووحدات إزالة الألغام عام 2020، ثم قوات التدخل الجوي عام 2024.
كما عملت قوات سوريا الديمقراطية على بناء منظومة للتدريب والتأهيل العسكري، وأنشأت عشرات الأكاديميات العسكرية بين عامي 2017 و2025، بهدف إعداد المقاتلين وتطوير قدراتهم التنظيمية والقتالية، وقد مرَّ بهذه الأكاديميات، أكثرَ من مئةِ ألفِ مقاتلٍ ومقاتلة.
هذا التطور لم يكن تفصيلاً ثانوياً، إذ أنَّ الانتقال من مجموعاتٍ عسكرية متفرقة إلى قوةٍ تمتلكُ وحداتٍ متخصصة وهيكلاً قيادياً وأكاديميات للتدريب، شكَّل أحدَ أبرز التحولات في مسار القوات.
المعركة الكبرى ضد داعش
بعد أسابيع قليلة فقط من تأسيسها، دخلت قوات سوريا الديمقراطية أولى عملياتها العسكرية ضد تنظيم داعش. ففي الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 2015، بدأت عملياتها في ريف الحسكة الجنوبي، ولا سيما في محيط منطقة الهول.
وكانت المعركة بالنسبة للقوات الجديدة اختباراً مبكراً لقدرتها على العمل المشترك بين تشكيلات ومكونات متعددة، كما كانت بداية لمسار طويل من العمليات العسكرية التي ستغير خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا.
وفي السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، خاضت قوات سوريا الديمقراطية معركة تحرير سد تشرين، والتي شكلت نقطة تحول استراتيجية في مسار العمليات العسكرية، ومقدمة للتوسع باتجاه مناطق أخرى كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.
وخلال عام 2016، امتدت العمليات إلى مناطق ريف كوباني الجنوبي وريف منبج، وفي بداية حزيران/يونيو من العام نفسه بدأت معركة منبج، إحدى أبرز المعارك التي خاضتها القواتُ ضد التنظيم.
وكانت أهمية منبج تتجاوز السيطرة على المدينة نفسها، إذ كانت المنطقة تمثّل عقدة استراتيجية على خطوط تحرك وإمداد تنظيم داعش. وانتهت المعركة بتحرير المدينة، لتشكل بذلك واحدة من أبرز الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة التنظيم.
لكن المعركة الأكبر جاءت لاحقاً مع عملية تحرير الرقة، التي كانت تمثل مركز ثقل رئيسياً لتنظيم داعش في سوريا.
بين عامي 2017 و2018، خاضت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي، واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيداً، وتمكنت من السيطرة على مدينة الرقة بعد معارك شرسة.
لم تكن أهمية تحرير الرقة عسكرية فقط، فالمدينة كانت مرتبطة بصورة مباشرة بمشروع تنظيم داعش وبنيته التنظيمية في سوريا، وبالتالي فإن سقوطها شكل ضربة كبيرة للتنظيم.
بعد ذلك انتقلت العمليات إلى مناطق ريف دير الزور الشرقي والشمالي، حيث استمرت المعارك ضد التنظيم خلال عامي 2018 و2019.
وفي الثالث والعشرين من آذار/مارس 2019، أُعلن القضاء على آخر جيوب تنظيم داعش في المنطقة، لتنتهي بذلك مرحلة المعارك العسكرية الكبرى ضد التنظيم، وتبدأ مرحلة جديدة مختلفة في طبيعتها، عنوانها ملاحقة الخلايا النائمة ومكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن في المناطق المحررة.
حماية السكان ومواجهة الإرهاب
كان القضاء على آخر جيوب داعش أحد أبرز الإنجازاتِ العسكرية التي ارتبطت بقوات سوريا الديمقراطية، لكنه لم يكن الإنجاز الوحيد.
فخلال سنوات الحرب، ساهمت القوات في حماية مساحاتٍ واسعة من شمال وشرق سوريا من سيطرة تنظيم داعش، وأدت دوراً رئيسياً في استعادة مدن ومناطق استراتيجية، الأمرُ الذي سمحَ بعودة جزءٍ من السكان إلى مناطقهم وفتح الطريق أمامَ إعادة تشغيل المؤسسات والخدمات فيها.
كما لعبت القوات دوراً في مكافحة خلايا داعش النائمة، وملاحقةِ عناصر التنظيم، وتأمين المناطق التي خرجت من سيطرته.
وكان لهذه المهمة أهميةٌ خاصة لأن انتهاء المعارك الكبرى لم يعنِ انتهاء خطر التنظيم، الذي انتقل من السيطرة على المدن والأرياف إلى أسلوب الهجمات المحدودة والعمليات السرية والخلايا المتخفية.
وبذلك دخلت قوات سوريا الديمقراطية مرحلةً جديدة لم تعد فيها المعركة قائمة على تحرير مدينة من تنظيم يسيطر عليها، وإنما على منع عودة التنظيم إلى الظهور مجدداً.
نموذج عسكري متعدد المكونات
من أبرز السمات التي رافقت تجربة قوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها، اعتمادها على مشاركة مكونات مختلفة من سكان شمال وشرق سوريا، فقد ضمتْ تشكيلات كردية وعربية وسريانية، وشاركت هذه المكونات في المعارك وفي المجالس العسكرية والهياكل الأمنية والإدارية.
وكان لهذا التنوع أهميةٌ خاصة في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الاجتماعية والسياسية، حيث تتقاطع فيها الهويات القومية والدينية والمناطقية.
ومن هذه الزاوية، قدمت القوات نموذجاً يقوم على فكرة أن مواجهة الإرهاب وحماية المنطقة لا يمكن أن تكون مهمة مكون واحد، وإنما مسؤولية مشتركة بين أبناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم.
كما أن تشكيل المجالس العسكرية في الرقة ومنبج والطبقة وكوباني وقامشلي والحسكة والهول والشدادي وسري كانيه/ رأس العين وعامودا وديرك ومناطق أخرى، عكسَ محاولةً لبناء هياكل أمنية وعسكرية مرتبطة بالمناطق التي تعمل فيها القوات.
الثمن البشري والتحديات العسكرية
لم يكن هذا المسار من دون ثمن. فقد قدمت قوات سوريا الديمقراطية، نحو ثلاثةَ عشرَ ألفَ شهيدٍ خلال سنوات المواجهة، إضافةً إلى أعدادٍ كبيرة من الجرحى والمصابين.
كما تعرضت المناطق التي تنتشر فيها القوات، منذ تأسيسها وحتى عام 2025، لسلسلة من الهجمات الجوية والمدفعية التركية، شملت ضرباتٍ بالطائرات المسيّرة والمقاتلات.
واستهدفت بعض الضربات مواقعَ عسكرية، فيما طالت أخرى بنىً تحتية ومنشآت خدمية ومراكز حيوية في مناطق الجزيرة والفرات ودير الزور، الأمرُ الذي زاد من الضغوط العسكرية والأمنية على المنطقة.
ورغم ذلك، استمرت القوات في أداءِ مهامِّها الأمنية والعسكرية، سواءً في مواجهة الخلايا التابعة لداعش أو في حماية المناطق التي كانت تحت إدارتها.
من البندقية إلى طاولة التفاوض
بعد سقوطِ النظام البعثي في أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلةً سياسية جديدة، وأصبح ملفُّ إعادة بناء الدولة والمؤسسة العسكرية واحداً من أكثر الملفات حساسية.
فلم يعدِ السؤال مقتصراً على كيفية مواجهة تنظيم داعش أو حماية المناطق، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل القوى العسكرية الموجودة في البلاد، وكيفية توحيدها ضمن مؤسسةٍ عسكرية وطنية.
وفي هذا السياق، بدأت خلال عامي 2025 و2026 سلسلةً من المفاوضات السياسية والعسكرية والأمنية بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية السورية.
وكان اتفاق العاشر من آذار/مارس واحداً من أبرز المحطات في هذا المسار، إذ تضمن ثمانيةَ بنودٍ رئيسية رسمت إطاراً أولياً للتفاهم بين الجانبين.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، إذ تعثّر المسار لاحقاً، وتصاعدت التوترات العسكرية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، قبل أن تعود الاتصالات السياسية والأمنية مجدداً.
ثم جاء اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير، الذي شكَّل محطةً جديدة في طريق إنهاء التصعيد وفتح الباب أمامَ ترتيباتٍ أكثر تفصيلاً.
وتضمن الاتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة تموضعٍ للقوى العسكرية وقوى الأمن الداخلي في الجزيرة وكوباني، إلى جانبِ دمجِ المؤسسات المدنية وتثبيت الموظفين في مواقعهم.
كما شمل ترتيبات مرتبطة بعودة المهجّرين إلى مناطقهم، في إطار مسعى أوسع لتثبيت الاستقرار وتوحيد الأراضي السورية.
وبعد الاتفاق، بدأت خطواتٌ عملية، من بينها وقف إطلاق النار وإنهاء التصعيد العسكري، وعمليات لتبادل الأسرى، إضافةً إلى إعادة مهجّري عفرين إلى مناطقهم الأصلية، فيما يجري العمل على إعادة مهجري سري كانيه/رأس العين والشهباء إلى ديارهم.
بداية مرحلة جديدة في الحسكة وكوباني
ومع تقدم تنفيذ الاتفاق، بدأت ملامح المرحلة الجديدة بالظهور، إذ جرى تكليف محافظٍ للحسكة ضمن التفاهمات الجديدة، بالتوازي مع العمل على تشكيل ثلاثةِ ألويةٍ عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية في محافظة الحسكة، ولواء عسكري في كوباني.
كما شملت الترتيبات تعيين عددٍ من الشخصيات في مواقعَ عسكرية وحكومية، من بينها اختيار القيادي في قوات سوريا الديمقراطية سمير أوسو معاوناً لوزارة الدفاع عن المنطقة الشرقية، واختيار جيا كوباني نائباً لقائد الفرقة 60، إضافةً إلى تعيين محمود خليل نائباً للقائد العام لقوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة.
وبالتوازي مع المسار العسكري، بدأت عمليةُ دمجِ المؤسسات الإدارية والخدمية ضمن مديريات تابعة للحكومة في مناطق الجزيرة وكوباني، في خطوةٍ تهدف إلى إنهاء حالة الازدواجية المؤسساتية وفتح الطريق أمامَ إدارة أكثرَ توحيداً للدولة السورية.
الملف الكردي في قلب المرحلة الجديدة
لم يكن المسار العسكري منفصلاً عن المسار السياسي، ففي إطار التطورات السياسية، صدر المرسوم رقم 13 عن رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، متضمناً الاعتراف بالهوية الكردية باعتبارها جزءاً من الهوية السورية، والاعتراف بالحقوق الثقافية للكرد.
ومع ذلك، بقيت مطالبُ كردية أخرى مطروحة، وفي مقدمتها مسألة اللغة الكردية ومكانتها في التعليم والحياة العامة، وهي ملفات تحتاج إلى حوارٍ سياسي أوسع للوصول إلى تفاهماتٍ مستدامة.
ومن هنا، فإن الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الدولة، وفق مراقبين لا يتعلق فقط بدمج البنادق والمؤسسات العسكرية، بل يتطلب أيضاً معالجة الملفات السياسية والثقافية والإدارية التي ظلت عالقةً طوال سنوات الحرب.
من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء
في الخامس والعشرين من آب/أغسطس، وبعد سلسلة من اللقاءات السياسية والعسكرية والأمنية في دمشق، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عمليات دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري.
الإعلان حمل دلالةً تتجاوز البعد العسكري المباشر، لأنه يمثل نهاية مرحلة امتدت لنحو أحدَ عشرَ عاماً، بدأت بتشكيل قوةٍ في ظروف الحرب والفوضى، وانتهت بالانتقال إلى مرحلةٍ مختلفة تماماً.
عبدي وصف المرحلة الجديدة بأنها مرحلة سلام ومشاركة في بناء سوريا الجديدة، مؤكداً أن المطلوب هو الانتقال من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام، ومن مرحلة الدفاع عن سوريا إلى مرحلة بناء سوريا.
وهذه الكلمات تختصر بصورةٍ واضحة التحول الذي طرأ على وظيفة القوات خلال أكثر من عقد.
فالقوة التي ولدت في ظروفٍ استثنائية لمواجهة تنظيمٍ إرهابي شديد الخطورة، وخاضت معارك كبيرة في الهول وسد تشرين ومنبج والرقة ودير الزور، وجدت نفسها في نهاية المطاف أمامَ مهمة مختلفة: المشاركة في بناء مؤسسةٍ عسكرية سورية موحَّدة، والانتقال من منطق الجبهات إلى منطق الدولة.
إرث طويل من الإنجازات والتضحيات
وبعيداً عن الخلافات السياسية التي رافقت تجربة قوات سوريا الديمقراطية، فإن سنوات عملها تركت مجموعة من النتائج التي يصعب تجاهلها.
فالقوات كانت طرفاً رئيسياً في الحرب على تنظيم داعش، وأسهمت في تحرير مساحات واسعة ومدن استراتيجية، وفي إنهاء السيطرة الإقليمية للتنظيم في شمال وشرق سوريا.
كما لعبت دوراً في حماية السكان، ومكافحة الخلايا النائمة، وتأمين المناطق المحررة، والمساهمة في الحد من عودة التنظيم إلى المناطق التي فقد السيطرة عليها.
ومن الإنجازات اللافتة أيضاً بناء قوة عسكرية متعددة المكونات، جمعت الكرد والعرب والسريان ضمن تشكيلات مشتركة، الأمر الذي منحها طابعاً مختلفاً عن كثير من القوى التي ظهرت خلال الحرب السورية.
كما أن تطوير الوحدات المتخصصة، وإنشاء الأكاديميات العسكرية، وبناء هياكل القيادة والمجالس العسكرية، ساهم في تحويل القوة من تحالف ميداني تأسس على عجل في ظروف الحرب إلى مؤسسةٍ عسكرية أكثرَ تنظيماً وقدرةً على تنفيذ مهام متعددة.
لكن الإنجاز الأكبر الذي ينتظر هذه التجربة ربما لا يكون عسكرياً على الإطلاق، بل يتمثل في نجاحها في الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الدولة، ومن الدفاع عن منطقة إلى المساهمة في بناء سوريا موحدة.
صفحة جديدة في تاريخ سوريا
اليوم، تقف قوات سوريا الديمقراطية أمامَ مرحلة مختلفة عن كل المراحل السابقة.
فبعد سنوات طويلة من القتال، لم يعد الهدف تحرير مدينة أو صد هجوم أو مطاردة خلية إرهابية، بل المساهمة في بناء مؤسسات دولة قادرة على استيعاب مختلف القوى والمكونات.
إن دمجَ القوات ضمن الجيش السوري لا يعني بالضرورة نهاية الدور الذي أدته خلال السنوات الماضية، بل يمثل انتقالاً لهذا الدور إلى صيغةٍ جديدة، يكون فيها السلاح جزءاً من مؤسسة الدولة، وتصبح حماية الأراضي السورية مسؤولية مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
ويبقى نجاحُ هذه المرحلة مرتبطاً بقدرة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية وبقية القوى السورية على تحويلِ الاتفاقات إلى واقع عملي، وعلى معالجة الملفات السياسية والإدارية والثقافية بالتوازي مع الملف العسكري.
فالمطلوب في النهاية ليس مجرد جمع البنادق تحت قيادة واحدة، وإنما بناء دولة يشعر فيها السوريون، بمختلف قومياتهم ومكوناتهم، بأنهم شركاء في مستقبلها.
وبعد أحد عشر عاماً من التأسيس، وعشرات المعارك، وآلاف الشهداء، وسنوات طويلة من مواجهة الإرهاب والتهديدات الأمنية والعسكرية، تبدو قوات سوريا الديمقراطية أمام أكبر تحولٍ في تاريخها.. الانتقال من قوةٍ وُلدت في زمن الحرب للدفاع عن مناطقها ومواجهة الإرهاب، إلى جزءٍ من مشروعٍ أوسع لبناء سوريا الجديدة.
وبذلك يمكن النظر إلى إعلان الخامس والعشرين من آب/أغسطس، ليس فقط باعتباره نهاية مهمةٍ عسكرية، وإنما باعتباره لحظةً فاصلة بين مرحلتين، مرحلة كان فيها السلاح عنواناً للحماية والدفاع، ومرحلة جديدة يفترض أن يصبحَ فيها البناء السياسي والمؤسساتي عنواناً للاستقرار.
فبعد سنوات كانت فيها الأولوية للجبهة والمعركة والتحرير، تأتي اليوم أولوية إعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات، وعودة المهجرين، وترسيخ الأمن، وضمان حقوق المكونات، وبناء جيش وطني قادر على حماية جميع السوريين.
ومن ساحات القتال التي شهدت واحدةً من أعنف حروب العصر الحديث ضد تنظيم داعش، إلى ساحاتِ البناء التي تحتاجها سوريا اليوم، تتغيرُ المهمة وتتغير الأدوات، لكن التحدي يبقى واحداً، كيف يمكن تحويل سنوات الحرب والتضحيات إلى أساسٍ لسلامٍ دائم، ودولةٍ أكثر استقراراً، وسوريا تتسع لجميع أبنائها؟
إنها، في نهاية المطاف، قصةُ انتقال من مرحلة الدفاع عن سوريا إلى مرحلة بناء سوريا، انتقال لا يُغلق فقط صفحةً عسكرية امتدت أكثر من عقد، وإنما يفتحُ الباب أمامَ اختبار جديد، عنوانه قدرةُ السوريين على تحويل التضحيات والانتصارات العسكرية إلى مشروعٍ سياسي ووطني جامع، تكون فيه الدولة ومؤسساتها الضامن الأول للأمن والاستقرار وحقوق جميع مكوناتها.
