لم تعد مشاهدُ القتل في سوريا مرتبطةً بجبهاتِ القتال وحدها، فمع انحسارِ العمليات العسكرية في معظم المناطق، برزت جبهةُ أخرى أكثرُ التصاقاً بالحياة اليومية للسوريين، عنوانها الجريمةُ الجنائية، وفي السياق وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتلَ مئتين وواحدٍ وتسعين شخصاً، خلال الفترة الممتدة منذ مطلعِ العام وحتى منتصف تموز/ يوليو الجاري.
وبحسب المرصد الحقوقي، فإن الرجال كانوا الأكثرَ استهدافاً، إذ بلغ عددُ الضحايا مئتين وثلاثةٍ وثلاثين رجلاً، إلى جانب أكثرَ من أربعين امرأةً وعشرين طفلاً، ما يشيرُ إلى أن العنف لم يعد يقتصرُ على النزاعات بين أطرافٍ مُتخاصمة، بل امتدَّ إلى داخل الأسرة، مع تسجيل جرائمَ ارتُكبت على خلفية مشاكلَ زوجيةٍ وعائلية، ونزاعاتٍ على الميراث، وأزماتٍ معيشية متفاقمة.
ولم تكن تلك الجرائمُ محصورةً بمنطقةٍ بعينها، إذ وثّق المرصد حوادثَ قتلٍ في مختلف المحافظات السورية. وتصدّرت حلب القائمةَ بواحدٍ وخمسين قتيلاً، تلتها ريفُ دمشق بسبعةٍ وأربعين قتيلاً، ثم دير الزور ودرعا وإدلب.
وتشير الوقائعُ التي وثّقها المرصد، إلى أن غالبية جرائم القتل ارتُكبت باستخدام الأسلحة النارية، في انعكاسٍ مباشرٍ لانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وهو ما يزيدُ من خطورة النزاعات اليومية، ويحوّلها سريعاً إلى جرائمَ مميتة.
إلى جانب انتشار السلاح، تبرزُ الأزمة الاقتصادية بوصفها أحد أبرز محركاتِ الجريمة. فقد أظهرت الوقائعُ أن عدداً من جرائم القتل، وقعَ أثناء عمليات سرقةٍ أو سطو، فيما ارتبطت جرائمُ أخرى بخلافاتٍ ماليةٍ أو ديونٍ أو نزاعاتٍ على الممتلكات
وتكشف بياناتُ المرصد الحقوقي، أن تصاعد الجريمةَ الجنائية ليس نتاجَ عاملٍ واحد، بل نتيجةَ تداخُلِ عواملَ عدة، أبرزُها انتشارُ السلاح، والانهيار الاقتصادي، والضغوط النفسية والاجتماعية، إلى جانب ضعف سيادة القانون، وتراجع فاعليةِ مؤسسات العدالة، وهي عواملُ تجعلُ من الجريمة الجنائية تحدّيّاً مُتنامياً يهدد الأمن المجتمعي في مختلف أنحاء سوريا
