بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، تطلّعت محافظة السويداء المنتفضة ضده، طوال العام الذي سبق السقوط إلى الانفراجة، واستعد الدروزُ فيها للمشاركة في الحوار ولعب دورٍ في المصالحة الوطنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، حالُهم حالُ غالبية السوريين الذين ضاقوا ذرعاً بظروف الحرب والأزمات المتصاعدة في البلاد.
لكنَّ الغموضَ واتساع رقعة الفلتان الأمني، وحجم الفوضى وغزارة نزيف الدماء التي أُهدرت في مناطقَ مختلفةٍ من سوريا، بسيف الطائفية والعنصرية التي علا خطابها في الشارع السوري، وسط صمتِ مطبق، وغياب المحاسبة الفعلية من قبل السلطات، زرع المخاوف لدى الدروز من محاولات بعض الأطراف، رسم سياسةٍ ممنهجةٍ في الظل، لاقتراف انتهاكاتٍ غير مسؤولة بحقهم مستقبلاً.
أواخر إبريل 2025.. محاولات فتنة ضد الطائفة الدرزية تسفر عن اشتباكات وتجاوزات
في أواخر نيسان/ إبريل 2025 انتشر تسجيلٌ صوتي يسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، نُسِب إلى إحدى الشخصيات الدرزية البارزة، التي سارعت إلى إدانة ما ورد في التسجيل، مؤكدةً عدم مسؤوليتها عنه وواصفة إياه بمحاولةٍ للفتنة.
ورغم تأكيد بيانٍ حكومي على فبركة التسجيل، إلا أن توتراً أمنياً ظهر في ضاحية جرمانا ذات الغالبية الدرزية بريف دمشق، بعد تعدي مسلحين مجهولين على حاجزٍ أمني عند بوابة الضاحية، فَرَضت على إثره قواتُ الأمن الحكومية إجراءاتٍ مشددة، وحاصرت الضاحية.
ورغم استنكار أهالي جرمانا لمحاولات الفتنة عبر بيانٍ حثت فيه السلطات على محاسبة المسؤولين، إلا أن التوتر امتدَّ إلى بلدتي صحنايا وأشرفية صحنايا، اللتين تقطنهما غالبيةٌ من الدروز أيضاً. وفي التاسع والعشرين من نيسان/ أبريل، أفادت تقاريرُ إعلامية بأن فصائل مسلحةً تابعةً لـوزارة الدفاع، قامت بإعدام مدنيين في منشأةٍ لتربية الدواجن على أطراف صحنايا.
الانتهاكات دون محاسبةٍ حكومية، فتحت الباب أمام تذرُّعٍ إسرائيلي للتدخل، بحجة حماية الدروز، من أجل ضبط وتحجيم النفوذ التركي الذي يموّل ويسير تحركات فصائلَ كثيرةٍ منضويةٍ تحت راية وزارة الدفاع السورية.
وفي الثاني من أيار/ مايو، أسقطت طائراتٌ إسرائيلية قنبلةً في محيط قصر الشعب في دمشق، عقبها إعلانُ السلطات الإسرائيلية استعدادَها لاستهداف مواقعَ إضافيةٍ داخل سوريا، مما وسّع شرخ التوتر ليمتد إلى السويداء.
التوتر يتسع نحو السويداء بين البدو والدروز .. وفصائل حكومية تتحيز وترتكب مجازر
في 11 من يوليو/ تموز 2025 أقام أشخاصٌ من عشائرَ بدويةٍ حاجزاً مرتجلاً على طريق دمشق السويداء، واعتدوا على تاجر خضرواتٍ درزي، حيث سرقوا ممتلكاته وسيارته واقتادوه إلى منطقةٍ نائية، ووجّهوا له الإهانات الطائفية والتهديدات المتكررة بالقتل، قبل أن يُطلَق سراحه لاحقاً في حالةٍ حرجة.
في اليوم التالي اعتقلت جماعاتٌ مسلحةٌ درزية محلية عدة أفرادٍ من العشائر البدوية، لتتفاقم الحادثة إلى اشتباكاتٍ مسلحة مفتوحة.
الاشتباكات الأولى حدثت بين البدو والفصائل المسلحة الدرزية في حي المقوس شرق السويداء، بعد أن قام مجموعةٌ من البدو بخطف خمسة دروز، وسرعان ما امتدت الاشتباكاتُ إلى الريف الغربي للسويداء، حيث تعرضت القرى هناك لهجومٍ من قبل البدو.
ومع تدخل قوات الحكومة الانتقالية بالأسلحة الثقيلة والطيران المسيّر وانحيازها للبدو في الاشتباكات مع الفصائل الدرزية، خرقت الحكومةُ الانتقالية اتفاقَ حماية موقعٍ بينها وبين أعيان الدروز في السويداء.
وخلال التدخل وثّقت عناصرُ تابعةٌ للحكومة عبر تسجيل الفيديو، انتهاكاتها بحق الأهالي من إهانة الكرامات، ونهب الممتلكات والقيام بعمليات تخريبٍ وتدمير، والإساءة لدور العبادة.
في الخامس عشر من يوليو/ تموز تدخل سلاح الجو الإسرائيلي واستهدف تجمُّعاً لقوات الأمن العام، في محيط مبنى قيادة الشرطة وسط مدينة السويداء، بعد ساعتين من قصفها تجمُّعاً آخرَ قرب مبنى فرع الأمن الجنائي.
في اليوم التالي السادس عشر من تموز/ يوليو، توسّع الهجوم العسكري الحكومي على السويداء، بمساندة مسلحين من عشائر البدو، لتشنَّ إسرائيل غاراتٍ جويةً مكثفة، استهدفت وزارة الدفاع وهيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في العاصمة دمشق، إلى جانب مواقعَ في ريف دمشق ودرعا والسويداء، معللةً ذلك بحماية الدروز في جنوب سوريا، الأمر الذي أدى إلى توقف الهجوم.
مارس 2026.. الأمم المتحدة تصدر نتائج تحقيقاتها في اشتباكات السويداء
أصدرت لجنةُ الأمم المتحدة الخاصة بالتحقيق في الاشتباكات نتائجَ تحقيقاتها، في 27 آذار/مارس 2026، وتمكنت من توثيق مقتل 1700 شخصٍ غالبيتُهُم من المجتمع الدرزي، موثقةً مقتلَ 1190 رجلًا و99 امرأةً و 53 طفلًا من الدروز، ومن المجتمع البدوي وثّقت اللجنةُ مقتل 53 رجلًا و 9 نساءٍ و 8 أطفال.
وأكدت اللجنة ارتكابَ قوات الحكومة الانتقالية، عملياتِ قتلٍ وتعذيبٍ واعتقال تعسفي على مراحل، كما وثّقت انتهاكاتها في إحراق ونهب المنازل والمحلات والمواقع الدينية، في نحو 35 قرية، إضافةً لعمليات اعتداءٍ جنسي، مؤكدةً أن جرائم السويداء قد ترقى إلى جرائم حرب، وربما إلى جرائمَ ضد الإنسانية.
