في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، تحوّل الفساد على مدى أكثر من عقدين من مجرد ملفٍ حكومي إلى أزمةٍ تستنزف الدولة وتثقل كاهل مواطنيها. واليوم، تعود بغداد لتفتح هذا الملف من جديد، معلنةً أكبر حملة لملاحقة المتهمين بالفساد، في خطوة تقول إنها تستهدف استعادة الأموال العامة وفرض هيبة القانون.
لكن، وبينما تتحدث الحكومة عن بداية مرحلة جديدة، يبقى السؤال، هل تنجح هذه الحملة في اختراق شبكة الفساد التي ترسخت عبر السنوات، أم أنها ستكون حلقة أخرى في سلسلة حملات رفعت شعارات كبيرة، قبل أن تتراجع أمام نفوذ المصالح وتشابك مراكز القوى؟
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، عن إطلاق حملة وُصفت بأنها الأوسع منذ عام 2003، لمواجهة الفساد تحت اسم “صولة الفجر”، وأسفرت الحملة عن اعتقال العشرات من الشخصيات السياسية والإدارية البارزة، فيما أكدت السلطات أن ملاحقة المتورطين ستتواصل دون استثناء، بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم.
عمليات القبض على المتهمين كشفت عن كميات كبيرة من الأموال وسبائك الذهب، جرى إخفاؤها بطرق غير تقليدية داخل المنازل، بينها الجدران، وقوارير مياه الشرب، وأجهزة التبريد، وحتى داخل المولدات الكهربائية، إضافة إلى مبالغ مالية مدفونة تحت الأرض.
ووفقًا لتقديرات غير رسمية، تُقدَّر كلفة الفساد في العراق بنحو 500 مليار دولار منذ عام 2003. ويشير خبراء ومختصون إلى أن هذه الظاهرة تستنزف ما يقارب ثلث الإيرادات النفطية للبلاد.
ولم تنطلق حملة ملاحقة الفساد في العراق مع الاعتقالات الأخيرة فحسب، إذ تشير تصريحات مرتبطة بالملف إلى أن إجراءات التتبع والملاحقة بدأت منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بقيادة القضاء العراقي، وتؤكد الحكومة أن هذا المسار يهدف إلى فتح ملفات الفساد، ضمن الأطر القانونية المعتمدة.
وبالتوازي مع هذه التطورات، أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق استرداد نحو 19 مليار دينار عراقي “ما يعادل قرابة 16 مليون دولار”، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في قضية فساد مالي تتعلق بالتلاعب بكشوفات إيداع مبالغ مالية تخص الخطوط الجوية العراقية.
ووفقًا لتقارير إعلامية، فإن بعض ملفات الفساد المرتبطة بتهريب النفط وتمويل فصائل مسلحة تأتي في سياق ضغوط دولية متزايدة، لا سيما من الولايات المتحدة، لدفع بغداد نحو اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية في هذا الملف. وتتزامن هذه التطورات مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد، إضافة إلى زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن في منتصف يوليو/تموز الجاري.
في المحصلة، ورغم الزخم المعلن في حملات مكافحة الفساد والإجراءات القضائية الجارية، تبقى هذه التحركات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العراقية على الاستمرار في مواجهة شبكة نفوذ معقدة تشكّلت عبر سنوات طويلة، وسط تداخل عوامل سياسية واقتصادية ودولية قد تحدد مسار ونتائج هذه المرحلة.
