في سياق التحولات الإقليمية الراهنة، تنامى مؤخراً الدور الإماراتي في سوريا بشكل ملحوظ إذ تشير مجلة فورين بوليسي الأمريكية في تقريرٍ لها إلى أن أبوظبي لا تختزل استثماراتها المتسارعة هناك في البعد الاقتصادي أو مشاريع إعادة الإعمار فحسب، بل توظفها كأداةِ نفوذٍ سياسي واستراتيجي لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، لا سيما مع تراجع الدور الإيراني في البلاد.
التقرير أشار إلى أن أبو ظبي تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها ساحةً استراتيجية لإعادة رسم النفوذ الإقليمي، وتوسيع شبكات التجارة والطاقة، خصوصاً مع تراجع الدور الإيراني وتصاعد المنافسة مع كلٍّ من تركيا والسعودية.
وشهد الموقف الإماراتي من الملف السوري تحولات متسارعة منذ عام 2011، فبعد دعم المعارضة السورية والمطالبة برحيل نظام بشار الأسد في السنوات الأولى، أعادت أبو ظبي لاحقاً ضبط سياستها، واتجهت نحو الانفتاح التدريجي على دمشق، وصولاً إلى دعم عودة سوريا إلى الجامعة العربية.
وبحسب فورين بوليسي، تعاملت الإمارات بحذر مع السلطة الانتقالية الجديدة عقب سقوط نظام الأسد، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، انطلاقاً من قناعتها بأن الفرصة في دمشق لا يمكن تفويتها، في ظل سباقٍ إقليمي متصاعد على النفوذ والاستثمار.
وتبرز المقاربة الإماراتية من خلال مشاريعَ استثماريةٍ ضخمة، إذ أعلنت شركة إعمار العقارية عن خططٍ لاستثمار نحو 11 مليار دولار في دمشق ومحيطها، إلى جانب مشاريعَ إضافية على الساحل السوري تصل قيمتها إلى 7 مليارات دولار.
كما تعهدت شركة موانئ دبي العالمية باستثمار 800 مليون دولار لتوسعة مرفأ طرطوس، في أول اتفاقٍ اقتصادي كبير مع الإدارة السورية الجديدة، ما يعكس رغبةً إماراتية في ترسيخ نفوذٍ طويل الأمد داخل الاقتصاد السوري.
وفي هذا السياق، تبرز المخاوف المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية جنوب سوريا، حيث تعتبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الكبرى بحاجة إلى بيئةٍ أكثر استقراراً، الأمرُ الذي قد يدفع أبوظبي إلى لعب دورٍ سياسي غير مباشر لخفض التوترات ومنع أي مواجهةٍ واسعة قد تهدّد مصالحها الاقتصادية.
كما يسلط التقرير الضوء على بُعدٍ آخر يتعلّق بإسرائيل نفسها، التي قد تنظر إلى تنامي الحضور الإماراتي داخل سوريا باعتباره خياراً أقلَّ خطورةً من تمدّد النفوذ التركي، خاصةً مع تصاعد القلق الإسرائيلي من الدور المتزايد لأنقرة في الملف السوري بعد انحسار النفوذ الإيراني.
