في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما أصدر رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع المرسوم رقم 188، والذي يحدد أيام العطل الرسمية في البلاد، أثار غياب عيد الشهداء عن قائمة الأيام المدرجة الكثير من التساؤلات حول تجاهل هذا العيد الوطني الذي يحتل مكانة وجدانية لدى معظم السوريين.
الشرع ومن خلفه كافة المسؤولين الحكوميين تجاهلوا الرد على تساؤلات السوريين، الذين استغربوا تغييب عيد الشهداء عن قائمة الأعياد الرسمية في الدولة، رغم أن هذا العيد ليس مرتبطاً تاريخياً بالنظام السابق، أسوة بحرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973، والتي جرت وقائعها إبان حكم حافظ الأسد للبلاد.
وعيد الشهداء هو مناسبة كان يحتفل بها في السادس من أيار/ مايو من كل عام في كل من سوريا ولبنان، وسبب اختيار التاريخ هي أحكام الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية بحق عدد من السوريين واللبنانيين في كل من بيروت ودمشق إبان الحرب العالمية الأولى، ما بين فترة 21 من آب أغسطس عام 1915 وأوائل عام 1917. واختير يوم السادس من أيار إذ إن عدد الذين أُعدموا في هذا اليوم من عام 1916 هو الأكبر عددًا.
أقدم وثيقة تقول إن السادس من أيار/ مايو من كل عام هو عيد الشهداء تعود لعام 1925، حين أصدر هذا المرسوم الرئيس السوري في عهد الانتداب الفرنسي، صبحي بركات الخالدي، ووقع عليه المندوب السامي الفرنسي.
ويرى ناشطون أن إلغاء عيد الشهداء وما يحمله من رسائل لمواجهة المحتل ومقاومته، ما هي إلا محاولة لإرضاء وريثة الدولة العثمانية، تركيا، والتي تسعى جاهدة لإنكار أي انتهاكات أو مجازر نفذتها الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة، كما يحصل كل عام مع حلول ذكرى الإبادة الأرمنية.
ووصف النشطاء قرار الشرع هذا بتبييض الوجه مع تركيا، التي تعد الداعم الرئيسي له، إلى جانب دول عربية أخرى، فيما أكد آخرون أن محاولة إرضاء تركيا بهذه الطريقة تعد كارثة على مستوى العلاقات الدولية، فالعلاقة السليمة لا تنجح إلا بالتصالح مع التاريخ، وليس إنكاره.
عيد الشهداء لدى السوريين مرتبط في وجدانهم بفترة الاحتلال العثماني للبلاد، والتي كانت مرحلة مليئة بالظلم القائم على أساس عنصري، فحملات التجنيد الإجباري للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، والأمراض، والمجاعات، وغياب التعليم، والتأخر التاريخي والعمراني، والعيش على هامش العالم المتمدن آنذاك، خير دليل على ذلك.
ويؤكد مراقبون أن الأمم العريقة لا تلغي تاريخها، بل تترك للأجيال حق الحكم على التاريخ بشكل حر، بغض النظر عن الموقف السياسي والتبعات السياسية اللحظية التي تعيشها الدولة، والقادة الذين يدركون أهمية التاريخ في بناء الهوية الوطنية، عليهم أن يدركوا أن في تاريخ الأمم أياما سوداءَ وأياما بيضاء، وأن الحل لا يكمن بإنكارها.
ومما سبق، تطفو على السطح تساؤلات مهمة، ألا وهي، ما تعريف الشهيد؟ ولمن يمنح هذا اللقب، وممّن يجرد، ولمن لا يمنح بالأساس، خاصة وأن سنوات الحرب في سوريا، كانت مخضّبة بدماء الكثير من الأبرياء من كافة الأطراف.
أما التساؤل الأهم الذي يطرحه ناشطون فهو، هل يمكن لأي سلطة أن تعيد ترتيب التاريخ وفق حساباتها، وإلى متى تبقى الحكومة الانتقالية ترتكب الخطأ تلو الآخر بحق السوريين؟ وبعض الأخطاء تصل إلى مرتبة الخطيئة، وفق وصفهم، والأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت هذه الخطوة مجرد زلة، أم بداية لنهج جديد في التعامل مع تاريخ السوريين.
