بعد عامٍ على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وقد قطعت شوطاً كبيراً على الصعيد الخارجي، مقابل تعقيدات داخلية متزايدة تلقي بظلالها على مسار المرحلة الانتقالية. فقد تمكن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من تحقيق اختراق دبلوماسي غير مسبوق تمثّل في إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام الدولي، ورفع أو تعليق معظم العقوبات الغربية المفروضة منذ عهد النظام السابق، إضافة إلى انضمام دمشق إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش.
وبحسب فورين أفيرز في تقريرها، فإن هذا التحول السريع في موقع سوريا الدولي جاء نتيجة خطوات محسوبة اتخذتها القيادة الجديدة لطمأنة القوى الغربية والإقليمية، شملت التعاون في مكافحة الإرهاب، تفكيك البنية المتبقية لبرنامج الأسلحة الكيميائية، تقليص النفوذ الإيراني، ومنع استخدام الأراضي السورية كنقطة عبور عسكرية إقليمية. كما حافظت دمشق على قنوات تواصل مع موسكو، واتبعت نهجاً حذراً تجاه إسرائيل رغم الغارات الجوية المتكررة.
لكن في الداخل تكشف تطورات العام الماضي عن تحديات بنيوية في عملية إعادة بناء الدولة؛ فالنموذج التنظيمي الصارم الذي مكّن هيئة تحرير الشام من السيطرة العسكرية على البلاد أسهم في الوقت نفسه في تركّز السلطة داخل دائرة ضيقة من قادتها السابقين، الذين يهيمنون على الرئاسة والأجهزة الأمنية والوزارات السيادية، في ظل غياب آليات تمثيل سياسي مباشر.
وتقول المجلة إنه رغم تشكيل حكومة انتقالية وبرلمان جديدين في عام 2025، تشير المعطيات إلى أن عملية الاختيار تمت عبر لجان معينة، بعد حل جميع الأحزاب السياسية ومن دون السماح بتأسيس أخرى جديدة. ويضم البرلمان ومجلس الوزراء شخصيات تكنوقراطية وممثلين عن المجتمع المدني والشتات السوري، إلا أن صلاحيات هذه المؤسسات تبقى محدودة، بينما يُنظر إلى أعضاء هيئة تحرير الشام السابقين باعتبارهم القوة السياسية الفعلية غير المعلنة.
على الصعيد الأمني، توضح فورين أفيرز أن الحكومة تواجه صعوبات في فرض الانضباط الكامل داخل الجيش الذي تشكّل من دمج عشرات الفصائل المسلحة. وقد أدت عمليات عسكرية خلال العام إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، لا سيما في الساحل السوري ذي الغالبية العلوية، وفي محافظة السويداء، حيث فُسرت تدخلات القوات الحكومية على أنها منحازة لطرف دون آخر، ما عمّق التوترات الطائفية وأثار مطالبات محلية بالحكم الذاتي.
كما لا تزال الجماعات الإجرامية والفصائل غير الحكومية تنشط في عدة مناطق، مستفيدة من ضعف الانتشار الأمني ونقص الكوادر المحلية، الأمر الذي جعل الأقليات الدينية والعرقية، إلى جانب قطاعات من الأغلبية السنية، تعبّر عن مخاوفها من طبيعة الدولة الناشئة وحدود قدرتها على توفير الحماية والمشاركة السياسية.
وفي شمال شرق سوريا، شكّلت العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية أحد أبرز ملفات المرحلة الانتقالية. وبعد أكثر من عام من الجمود، توصلت دمشق و”قسد” مؤخراً إلى اتفاق لدمج هذه القوات في الجيش، مع الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد. ورغم أن الاتفاق خفّف من احتمالات التصعيد العسكري، إلا أن تساؤلات ما زالت مطروحة حول شكل النظام السياسي الذي ستندمج فيه هذه المناطق، وحدود اللامركزية والتمثيل المحلي.
وتختتم مجلة فورين أفيرز تقريرها بالقول إن التجربة السورية تظهر خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية تبايناً واضحاً بين نجاح الحكومة في إدارة علاقاتها الخارجية، وبين تعثرها في بناء توافق داخلي واسع. فالدستور الجديد والمؤسسات التي أُنشئت لم تُقنع بعد قطاعات واسعة من المجتمع بأن السلطة ستخضع لرقابة مؤسسية أو أن المشاركة السياسية ستكون متاحة على نحو فعّال.
ومع دخول سوريا عامها الثاني بعد الأسد، يبقى مسار الانتقال مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتوقف إلى حد كبير على قدرة القيادة الجديدة على موازنة متطلبات الاستقرار الأمني، والانفتاح السياسي، والحفاظ على الدعم الدولي الذي أعاد دمشق إلى المشهد العالمي بعد سنوات من العزلة.
