بدلًا من أن تكون الانتخابات فرصةً لإعادة بناء الثقة الوطنية، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة بين السوريين، تمضي الحكومةُ الانتقالية في إصدار قرارات، تقوم على الإقصاء والتهميش لمكوناتٍ سوريةٍ أصيلة، مستندةً إلى ذرائعَ بلا أي أساسٍ دستوري، وزاد من حِدة الانتقادات، تخصيصُ حِصصٍ ومقاعدَ للمحافظات، بطريقةٍ وصفها مراقبون بأنها تفتقر كليًا إلى المنطق والعدالة.
بدايةً من قرار رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، وبموجب الصلاحيات شبه المطلقة التي منحه إياها الإعلان الدستوري المثير للجدل، والذي رفضته شرائح واسعة من المكونات السورية منذ لحظة صدوره، القاضي بتشكيل لجنة أطلق عليها اسم اللجنة العليا للانتخابات، لتكون الجهة المشرفة على ما سُمّي – على نحو مثير للجدل – “انتخابات مجلس الشعب”.

وبحسب مرسوم وقّعه الشرع وصادق بموجبه على النظام الانتخابي الجديد، فقد تحدد عددُ مقاعد المجلس بـ 210 مقاعد، ثلثاها يختارون من “الأعيان والنخب” في المحافظات السورية عبر آلياتٍ غير واضحة، وبعيدًا عن الاقتراع المباشر من قبل عموم السكان، فيما يحتفظ الشرع لنفسه بحق تسمية 70 عضوًا آخرين بشكل مباشر، وهو ما أثار موجةً من الاعتراضات، على اعتباره تكريسًا لسلطة الفرد بدلًا من تعزيز المشاركة الشعبية.
أما شروط الترشح التي نصَّ عليها المرسوم، فقد أثارت بدورها جدلاً واسعًا، إذ تضمنت اشتراطَ ألا يكون المرشح من دعاة الانفصال أو التقسيم أو الاستقواء بالخارج، وهي صيغةٌ مطاطية لا تتضمن أي معاييرَ واضحةٍ أو آلياتٍ موضوعية، لتقييم مدى انطباقها على المتقدمين، ما يفتح الباب أمام الإقصاء الانتقائي وفق معايير سياسية ضيقة.
كما نص المرسوم على تخصيص 20% من المقاعد للنساء، إلى جانب إلزامية مُراعاة مشاركة مَن وُصفوا بأنهم “ذوو الشهداء”، و”مصابو الثورة”، و”الناجون من الاعتقال”، إضافةً إلى المهجرين داخليًا وخارجيًا. لكن المرسوم لم يحدد بدقةٍ آليةَ الاختيار، ولا الجهات التي تمنح صفة “شهيد” أو “مصاب” أو “ناجٍ”، الأمر الذي اعتبره مراقبون ثغراتٍ قانونيةً كبيرة، ستجعل هذه البنود عرضةً للتلاعب والتأويل السياسي، بدلًا من أن تكون ضمانةً فعليةً للعدالة والتمثيل.
ويرى محللون أن هذه الصيغة من النظام الانتخابي، لا تمثل انتقالًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل تعيد إنتاج نظام قائم على الصلاحيات المطلقة لرئيس المرحلة الانتقالية، وعلى عمليةٍ انتخابية شكلية يطغى عليها الطابع الرمزي، أكثر من الطابع التمثيلي، وهو ما يجعل المجلس المزمع انتخابه، أقربَ إلى هيئةٍ معينة مسبقًا، منه إلى مؤسسةٍ شعبية تعبّر عن مختلف السوريين.
وفيما يتعلق بالانتخابات أيضاً، أصدرت الحكومةُ الانتقالية قراراً يُقصي ثلاث محافظاتٍ كاملة، هي الحسكة والرقة والسويداء، من المشاركة الفاعلة في انتخابات مجلس الشعب، من دون أي مرجعيةٍ دستوريةٍ أو سندٍ قانوني واضح يبرر هذا التهميش.
هذا الإجراء لا يعني فقط حرمان مئات آلاف المواطنين من حقهم في التمثيل السياسي، بل يطرح أيضًا تساؤلاتٍ عميقة، حول جدوى انتخابات تُجرى بمعايير انتقائية، ويعكس خللاً خطيرًا في مقاربة الحكومة الانتقالية للانتخابات، كما يشيرُ إلى غياب رؤية وطنية جامعة تراعي العدالة في التمثيل بين مختلف المناطق.
كما أن هذا الاستبعاد، لا يمسُّ فقط بحقوق سكان تلك المحافظات، بل يفتح الباب أمام تعزيز الانقسام، وهو ما يتعارض مع أهداف أي عمليةٍ انتقالية، يُفترض أن تقومَ على توسيع دائرة المشاركة لا تضييقها.
وإلى جانب إقصاء المحافظات الثلاث، يكشف قرارُ الحكومة الانتقالية بتوزيع المقاعد المعلن، عن اختلالات واضحة في التوازن بين المحافظات من حيث عدد المقاعد، مقارنةً بالكثافة السكانية والوزن السياسي لكل منطقة،
الحكومة الانتقالية منحت محافظة حلب وحدها اثنين وثلاثين مقعدًا، أي ما يفوقُ مجموعَ مقاعدِ ست محافظاتٍ أخرى مجتمعة، هي السويداء والقنيطرة والرقة ودرعا وطرطوس واللاذقية، التي حصلت مجتمعةً على ثلاثين مقعدًا فقط، ما يوضح حجمَ الفجوةِ بين حِصة حلب وبقية المحافظات.
كما أن إدلب حصلت على اثني عشر مقعداً، أي أكثرَ من المقاعد المخصصة للعاصمة دمشق، التي مُنحت عشرةَ مقاعدَ فقط، رغم أن عددَ سكان دمشق يفوق بكثيرٍ عدد سكان إدلب، وهو ما يعكس غياب المعايير الموضوعية في التوزيع، واعتماد معاييرَ سياسيةٍ وانتقائية، تمنح بعض المحافظات تمثيلًا مبالغًا فيه، على حساب محافظاتٍ أخرى مكتظةٍ بالسكان أو ذات أهمية استراتيجية.
ويرى مراقبون أن هذه الآلية في توزيع المقاعد، ستؤدي إلى خللٍ عميق في التمثيل داخل المجلس المقبل، حيث ستتركز السلطة التمثيلية في يد محافظات معينة بينما تفتقد محافظات أخرى إلى صوت فعلي داخل المؤسسة التشريعية، وهو ما يضعِفُ شرعية القرارات الصادرة عنها، ويؤسس لعدم ثقةِ الجمهور بالعملية الانتخابية برمتها.
كما يشير محللون إلى أن غياب معاييرَ عادلةٍ وشفافةٍ في توزيع المقاعد يقوّض مبدأ المساواة بين المواطنين، ويجعل الانتخابات أداةً لإعادة إنتاج التهميش، بدلَ أن تكون فرصةً لإعادة بناء العقد الاجتماعي، على أسسٍ من العدالة والشراكة الوطنية.
وبحسب خبراءَ سياسيين، فإن أي عملية انتخابية لا يمكن أن تكتسب الشرعية ما لم تستند إلى قاعدة دستورية واضحة تضمن التمثيل المتساوي لجميع المحافظات ،وفقًا لمعايير الكثافة السكانية وعدد الناخبين، وإن استمرار النهج الحالي في الإقصاء والتوزيع غير العادل، يهدد بتعميق الانقسامات الجغرافية والاجتماعية، ويزيد من حالة عدم الثقة بين المواطن والدولة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرص نجاح المرحلة الانتقالية برمتها.
ويبقى الحل كامناً بحسب مراقبين، في مراجعة هذه القرارات، كونها ضرورةً ملحةً لضمان انتخاباتٍ تعكس الواقع السكاني والسياسي في سوريا، وتفتح الباب أمام مشاركة وطنية شاملة بدلا من تكريس الإقصاء والتمييز.
