تمضي السلطات السورية الانتقالية بتفردها في إدارة البلاد، على عكس ما أمل به السوريون مع تسلمها زمام الحكم في البلاد، عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فبعد إجراء ما أسمته حوارًا وطنيًا، وإقرار إعلانٍ دستوري، يكرس السلطات بيد شخص الرئيس دون محاسبةٍ أو رقابة أو مساءلة، جاء الدور لتفصح عن إجراء انتخابات مجلس الشعب، لكن بطريقة ما أنزل الله بها من سلطان، وفق مراقبين.
رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، وبموجب الصلاحيات شبه المطلقة الممنوحة له في الإعلان الدستوري، الذي رفضته الكثير من المكونات السورية، قرر تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، لتشرف على ما سمي تجاوزاً بانتخابات مجلس الشعب.
وبحسب المرسوم رقم 143، والذي صادق بموجبه الشرع على النظام الانتخابي، يتألف المجلس من 210 مقاعد، ثلثا هذا العدد ينتخبون من الأعيان والنخب في المحافظات السورية، وليس اقتراعاً مباشراً من قبل السكان، فيما يتولى الشرع تسمية مَن يشغَلُ المقاعد السبعين الأخرى.
شروط الترشح التي أقرها المرسوم حملت بعض الغرابة بحسب مراقبين للشأن السوري، إذ نص أحدها على ألا يكون المرشح لعضوية مجلس الشعب، من دعاة التقسيم والانفصال أو الاستقواء بالخارج، لكن دون تحديد آليةٍ واضحة لتقييم ذلك.
كما نص المرسوم على تمثيل النساء في المجلس بنسبة 20 بالمئة، مع مراعاة مشاركة مَن وصفهم بذوي الشهداء، ومصابي الثورة، والناجين من الاعتقال، والمهجرين داخلياً وخارجياً، وأيضاً دون أن يوضح آلية الاختيار، وكيفية تصنيف مَن يحمل لقب “شهيد” عن دونه.
اللجنة العليا للانتخابات أقرت كذلك بتأجيل الانتخابات في محافظات الحسكة والرقة والسويداء، بذريعة الأوضاع الأمنية في هذه المحافظات، مشيرة إلى إمكانية شغور مقاعدها في المجلس، إلى حين إجراء الانتخابات، أو تعيينهم من قبل الشرع نفسه.
الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، استنكرت إجراء الانتخابات النيابية في سوريا في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن إجراءها يعد تغييباً وإقصاء لقرابة نصف السوريين، وأن ما يسمى بالانتخابات، هي خطوةٌ شكليةٌ لا تستجيب لمتطلبات الحل السياسي الشامل.
وأعلن المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر رفضَه القاطع للانتخابات، معتبراً أنها تفتقد لأي شرعية، وتشكل غطاءً لعملية تعيينٍ لا تعبر عن إرادة السوريين.
كما أدان ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الطريقة التي سيُعمل بها لاختيار أعضاء المجلس، إذ تختارهم لجنةٌ معينة من لجنة أعلى شكلها الشرع، الذي سيختار بنفسه ثلث أعضاء المجلس، في خطوة وصفت من قبلهم بأنها مصادرة حقيقية لإرادة السوريين في اختيار ممثليهم في السلطة التشريعية.
كما أن طريقة اختيار الأعضاء تتنافى مع الإعلان الدستوري، الذي ينص صراحة على مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وهكذا فإن الانتخابات المعلنة ليست سوى خطوة شكلية، تفضح وفق مراقبين زيف الشعارات المرفوعة، وتؤكد أن المسار السياسي الحالي يسير عكس ما ضحى السوريون من أجله، فبدون مشاركة حقيقية لجميع المكونات السورية، ودون آليات شفافة وعادلة، تبقى كل الانتخابات مجرد مسرحية مكشوفة لتثبيت حكم الفرد.
وعوضاً عن أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً نحو سوريا جديدة، ها هي تتحول شيئاً فشيئاً إلى أداة لإقصاء المكونات السورية، مما ينذر بمزيد من الغموض وانعدام الثقة، والمضي قدماً في هذا المسار من قبل الحكومة الانتقالية يجعلها نسخة أخرى من النظام السابق، وسيعيد البلاد إلى سيرتها الأولى.
