لم يكنِ السابعُ من أكتوبر عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين يوماً عادياً كباقي الأيام، بل أصبح وَفق كثيرين، يوماً تاريخياً مفصلياً، قبله ليس كما بعدَه.. تغيراتٌ سياسية وعسكرية، خرائطُ النفوذ تبدلت، والأزمات الإنسانية تزايدت، وبانت مصالح الدول علناً، دون أيِّ اعتبار لأيِّ دماء بريئة سُكِبت، يقول محلّلون وباحثون في مجال حقوق الإنسان.. إنه يومُ عملية الطوفان، يومَ أنْ هاجمت حركة حماس إسرائيل، في ضربة قد تكون الأعنفَ للأخيرة خلال عقود.
حماس نفسُها التي نفذتِ الهجوم، لم تكن تتوقع هذا التأثيرَ الكبير لذلك اليوم والذي أسمتْه” طوفان الأقصى”، تداعيات ذلك الطوفان أغرقت الشرق الأوسط برمتها في أحداث جسام غيرت ملامح المنطقة، وأعادت رسم موازين القوى.
ففي الشأن الفلسطيني، عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد سنواتٍ من النسيان، حيث نجحت حماس في إرباك إسرائيل على الساحة السياسية الدَّوْلية، وجعلتها محلَّ إدانة وانتقادات، على خلفية جرائم حرب وجرائمَ ضد الإنسانية، أصدرت على إثرها محكمة الجنائية الدولية مذكراتِ اعتقالٍ ضد مسؤولين كبار، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ولكنْ، في المقابل، يرى مراقبون أنّ حماس بعمليتها غيّرت وجهَ الشرقِ الأوسط فعلاً ولكن على حساب دماء شعب كامل، فلم تسهم سوى بجلب القتل والدمار لشعب غزة، الذي يعاني اليومَ من كارثة إنسانية جراء الهجمات والحصار المتواصل.
سرعان ما تعالى الطوفان ليصل إلى حزب الله اللبناني الذي قتلت إسرائيل أبرزَ المسؤولين فيه، ونفذت أكبرَ عملية اختراق استخباراتية من خلال تفجير أجهزة الاتصال، وعرِفت بعملية البيجر.. ليتهاوى الحزب بعد ضربةٍ تسببت باغتيال أمينه العام حسن نصر الله.
ومن البيجر.. إلى “ردع العدوان” في سوريا، هذه العملية التي شنتها فصائلُ معارِضة في الشمال السوري، على رأسها هيئةُ تحرير الشام ضد نظام بشار الأسد، وأطاحت بحكمه في وقتٍ وجيز، لتتقلصَ الدائرة، وتُبتَرَ أذرعُ الأخطبوب، في إشارة لإيران، التي تعتبرها إسرائيل تهديداً لأمنها القومي، وبهذا ترى أنها غيّرت قواعدَ اللعبة وأعادت رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
أمّا إيران فكانت تترنح بعد الضربات التي تلقتها بخسارة نفوذها في لبنان وسوريا.. تحاول ترتيبَ أوراقها وإعادةَ توازنها، وما كادت أنْ تجمع قُواها حتى غيّرت إسرائيل من تكتيك المعركة، لتدمرَ مع الولاياتِ المتحدةِ الصورةَ التي لطالما رسمتها إيران على مدار عقود، من خلال اغتيال كبار قادتِها وتدميِر منشآتها النووية وبعضِ قدراتها العسكرية.
وإذا ما انتقلنا إلى الجنوب في البحر الأحمر، هناك حيث يصعد الحوثيون من هجماتهم بضرب السفن البحرية التي تقول الجماعة إنها مرتبطة بإسرائيل وتستهدفها رداً على الحرب في غزة، ومنذ طوفان الأقصى يشتعل البحر الأحمر في دوامات التصعيد، وتصبح التجارةُ والملاحةُ البحرية هناك تحت رحمة تداعيات الطوفان.
ومنذ السابع من أكتوبر، إلى حزب الله ونظام بشار الأسد مروراً بطرق التجارة في البحر الأحمر وصولاً إلى منشآت إيرانَ النووية.. كلُّ تلك الأحداث والتغيرات الكبيرة.. ربما لم تكن في تاريخها الحقيقي.. إنما جرت فعلياً في السابع من أكتوبر.. فهل بات ذلك اليوم هو طوفان الشرق الأوسط؟.
