تعاملُ الحكومةِ الانتقالية السورية دبلوماسياً وأمنياً وإعلامياً مع التفجير، الذي طال كنيسة مار إلياس في العاصمة دمشق، شابَهُ الكثير من اللغط وفق محللين، وكانت البياناتُ الصادرة عن الحكومة وأجهزتها الأمنية، محطَّ تساؤلٍ الكثير من السوريين.
مع الساعات الأولى للانفجار، وقبل أن تُجرى أيُّ تحقيقاتٍ حول الحادث الذي أودى بحياة أكثرَ من عشرين شخصاً، وإصابة ستين آخرين، اتهمت وزارةُ الداخلية السورية تنظيمَ داعش الإرهابي بتنفيذ الهجوم.
حدث ذلك، قبل أن تُعلِن في اليوم التالي وقبل مرور 24 ساعةً على التفجير، أنها اعتقلت في ريف دمشق بالتعاون مع جهاز الاستخبارات المجموعةَ المسؤولةَ عن العملية الانتحارية، والتي كانت تُعِدُّ لتفجيرٍ آخرَ في العاصمة دمشق.
سرعة الكشف عن الفاعلين أثارت الريبة لدى الكثير، إذ تساءلوا عن اختفاء هذه السرعة في محاسبة مرتكبي المجازر، التي شهدها الساحل السوري مطلع شهر آذار/ مارس الفائت، حينها فقدَ أكثرُ من ألفٍ وستمئة مدنيٍّ حياتَهُ على يد فصائلَ مسلحةٍ منضويةٍ تحت لواء وزارة الدفاع السورية، أو مجموعاتٍ مسلحةٍ مواليةٍ لها، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، فيما أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً ذكرت فيه أن المجموعات التي ارتكبت الانتهاكات، مرتبطةٌ أو تابعةٌ للحكومة السورية، ووصفتها بأنها جرائم حرب.
لجنة التحقيق في هذه المجازر، شكّلها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، لتقصي الحقائق حول الأحداث التي جرت بتاريخ السادس من آذار /مارس المنصرم، وليس ما بعد ذلك، في مدةٍ لا تتجاوز 30 يوماً، إلا أنه عاد ومدّد عملها ثلاثة أشهر، ابتداءً من نيسان/ أبريل الماضي.
اللجنة هذه غائبةٌ عن وسائل الإعلام منذ ذلك الحين، وحتى الحديث عن أعمالها بات من الأمور المغيبة عن الإعلام الحكومي، حتى ظنَّها ذوو الضحايا بأنها باتت نسياً منسياً عن الاهتمام الحكومي.
بالعودة إلى العملية الانتحارية في كنيسة مار إلياس، فقد انتشر عقب التفجير على شبكة الإنترنت، بيانٌ منسوبٌ لتنظيم داعش الإرهابي يتبنى فيه العملية، واصفاً الشرعَ فيه بالمرتد الذي والى الغرب.
البيان لم يُنشَر على معرفات التنظيم الإرهابي المعروفة، وهو ما جعل الكثيرين يشككون في صحته، إلى أن أصدر تنظيمٌ إرهابيٌّ يسمي نفسه سرايا أنصار السنة، بياناً أكد فيه أن أحد عناصره هو من نفّذ العملية الإرهابية، واصفاً ما نُشر في إعلام الحكومة السورية، بأنه عارٍ عن الصحة، ومُلفّقٌ لا يسنده دليل، ولا يستقيم في ميزان العقل.
البيان توعّد الحكومة السورية بالمزيد من العمليات الإرهابية، مؤكداً أن هناك الكثير من الانتحاريين، داعياً العناصر الأمنية في الحكومة، بالانشقاق عنها والانتساب إلى التنظيم.
والتنظيم هذا كشف عن نفسه أول مرةٍ في كانون الثاني/ يناير الماضي، أي بعد نحو شهرٍ من سقوط النظام السابق، وهو مجموعةٌ إرهابيةٌ تعهّدت بملاحقة أبناء الطوائف العلوية والشيعة والدرزية، وأعلن التنظيمُ مسؤوليته عن العديد من عمليات القتل، كما هدد بملاحقة مَن يُطلق عليهم اسم فلول الأسد، لكنه أيضاً لم يُخفِ ازدراءَهُ لحكومة الشرع.
إعلانُ التنظيم تبنيه الهجومَ الإرهابي في كنيسة مار إلياس، وضع الحكومة وأجهزتها الأمنية في موقفٍ لا تحسد عليه، فهي زعمت أنها اعتقلت المسؤولين عن العملية وهم من تنظيم داعش، بينما البيان يؤكد أن الحكومة خدعت السوريين وزيفت الحقائق.
ومع كثرة المسؤولين عن التفجير، يتساءل سوريون، أين تكمن الحقيقة، ومن يصدقون، وخوفهم يزداد بأن حياتهم ومصائرهم يتُاجَر بها من قبل مسؤولي الحكومة، من أجل نيل التعاطف الدولي ليس إلا.
