مع الأيام الأولى للحَراك الشعبي في سوريا عام ألفين وأحد عشر، برز النظام التركي كلاعبٍ أساسيٍّ في الأزمة، لا سيما مع تصريحات رئيسه رجب أردوغان في كل حين، ليؤجّج الحراك السلمي، ويحوله شيئاً فشيئاً إلى حربٍ أهلية تفتك بالسوريين، عقب لجوء الحكومة السورية للحلول الأمنية والعسكرية، وسماح أنقرة لإرهابيي العالم بالمرور عبر تركيا والتجمع في سوريا، بذريعة تخليص الشعب السوري من الظلم.
اتهام الحكومة السورية للحراك السلمي بالطائفية، تلقَّفه النظام التركي بارتياح، فساهم في تأسيس فصائلَ ذات صبغةٍ إسلاموية، ومدَّها بالسلاح بحجة حماية المتظاهرين، الذين كانوا يهتفون بشكلٍ يومي في شوارع المدن السورية، أن احتجاجَهم سلمي، وأن هدفهم إقامة دولة مدنية بعيدة عن الطائفية والمركزية.
ومع امتداد الأزمة لسنوات، باتت تلك الفصائل رأسَ حربةٍ بيد النظام التركي، ينفّذ من خلالها أجنداته في سوريا، لا سيما مع فشل مشروع تنظيم داعش الإرهابي، مع نهايات عام ألفين وأربعة عشر وبدايات عام ألفين وخمسة عشر.
وبأوامرَ تركيةٍ صرفة، اقتصرت مواجهات هذه الفصائل على بعض المعارك الاستعراضية ضد تنظيم داعش عام ألفين وستة عشر، لتسهيل احتلال الجيش التركي لمناطق شمالي سوريا، قبل أن يوجه النظام التركي بوصلتها لمحاربة الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا عام ألفين وثمانية عشر لاحتلال عفرين، وكذلك عام ألفين وتسعة عشر لاحتلال سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض/ كري سبي.
وخلال التطورات الميدانية السريعة والمتلاحقة التي تعيشها سوريا مؤخراً، ظهرت مجدداً الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، مع احتلالها منطقتي تل رفعت والشهباء اللتين تؤيان آلاف المهجرين قسراً من عفرين، والذين آثروا النزوحَ مرة أخرى، على أن يبقوا تحت رحمة فصائلَ إرهابية، تُنكّل بهم في كل حين.
كما حول أردوغان عناصرَ الفصائل التي تتبعه إلى مرتزقةٍ يرسلهم إلى جبهات القتال حول العالم، فتارةً في ليبيا، وتارةً أرمينيا، وتارة أخرى في النيجر، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
الفصائل التي تختلف في الأسماء وتتشابه في الممارسات والانتهاكات بحق السكان الأصليين في المناطق المحتلة، تطال قادتَها عقوباتٌ صدرت عن الولايات المتحدة، وهذه الأخيرة حليفة تركيا في حلف شمال الأطلسي، والتي ترعى الإرهاب والإرهابيين في سوريا، في دليلٍ على صعوبة المشهد السوري، الذي يحمل في طياته الكثير من التعقيد والكثير من الغموض، لما ستؤول إليه الأوضاع في قادماتِ الأيام، لا سيما مع سقوط مدينة حلب شمالي سوريا بيد هيئة تحرير الشام، المدرجة على قائمة التنظيمات الإرهابية العالمية.
سيطرةٌ تبرأت من دعمها أو تمويلها أنقرة، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طالب أردوغان بإنهاء هجوم الهيئة الإرهابية بأسرع وقتٍ ممكن، كما أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بأنه بلاده لن تبقى متفرجةً على ما وصفها بالتداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا.
وعلى مدار سنوات الأزمة السورية، كانت سياسات تركيا مثارَ جدلٍ حتى من قبل حلفائها في الناتو، فاستخدمت اللاجئين السوريين لمساومة الاتحاد الأوروبي، للحصول على امتيازاتٍ ومساعداتٍ مالية، قبل أن تقرر ترحيلهم إلى سوريا في ظل الواقع الاقتصادي المتهالك، الذي تعيشه أنقرة منذ سنوات.
الفصائل الإرهابية كانت وما زالت ذراعَ النظام التركي الطولى في سوريا، فهي الحطب الذي يحافظ على نار الحرب مُستعرة، وهي كذلك أداته الأولى في تتريك المناطق المحتلة، وتغيير ديمغرافيتها.
