بعد العام 2011، شاءَت الأقدار في سوريا، أو ربما التفاهمات السياسية من قبل الفاعلين والمتدخلين في ملف الأزمة، وجودَ ثلاثة نماذجَ لإدارة البلاد، يختلف كلٌّ منها عن الآخر في توجهاته وتشريعاته وحتى في نظرة المجتمع الدولي له.
النموذج الأول هو مناطق سيطرة الحكومة السورية، وهي صاحبة الشرعية الدولية، في ظل تحالفاتٍ استراتيجية وعسكرية، أبقت مقاليد الحكم في يدها، رغم بعض التقديرات التي كانت ترشّح سقوطها في السنوات الأولى من الأزمة.

والنموذج الثاني يتمركز في شمال وشمال غربي البلاد، بإدارة ما تسمى المعارضة، التي تعود للاحتلال التركي في كل صغيرةٍ وكبيرة، بل وتنفذ كل ما يُطلب منها، بالتنسيق مع الفصائل المسلحة التي صُنّف البعضُ منها على قوائم الإرهاب العالمية.
أما النموذج الثالث فهو الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وينظم الحياة هناك عقدٌ اجتماعيٌّ يلتزم بحماية حقوق المرأة، ويحترم العيش المشترك بين مكونات المنطقة.

ومن بين النماذج الثلاثة، تتعرض الإدارة الذاتية لحملةٍ ممنهجة، تحاول إلحاق تهمة الانفصال بها، رغم أن كافة القوانين فيها، تؤكد على وحدة الأراضي السورية، على عكس المناطق المحتلة من قبل تركيا، التي سنّت وفصائلَها تشريعاتٍ تؤكد أن المنطقة هناك، باتت منفصلةً عملياً عن الوطن الأم سوريا.
والكل يرى ويشاهد ما تمارسه سلطات الاحتلال هناك، فمِن فرضِ تدريس اللغة التركية في المدارس في المراحل الأولى، إلى إقرار التعامل بالعملة التركية على حساب الليرة السورية، ناهيك عن رفع العلم التركي في المؤسسات والدوائر، التي تمثل ما تسمى المعارضة.
الانتقادات التي تطال مناطق الإدارة الذاتية وتتجاهل مناطق سيطرة الاحتلال التركي، يفسرها البعض أنها نتيجةُ تفاهماتٍ سياسية، فمشروع الإدارة الذاتية هو الذي يخيف دمشق وأنقرة على حدٍّ سواء.
كما أن الحكومة السورية تسعى للاستفادة قدر الإمكان من التقلبات السياسية، في ملف الحرب المستمرة في البلاد منذ عام 2011، وتحقيق غايتها في البقاء ولو على كومةٍ من التراب، وفق مراقبين.
ويتساءل البعض عن الصمت شبه التام للحكومة السورية، إزاء الممارسات التركية في المناطق المحتلة، رغم ما تستطيع فعله في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة.
وهكذا ورغم الفروقات الظاهرة للعلن بين النماذج الثلاثة، تحولت الإدارة الذاتية إلى دريئةٍ للأهداف، من قبل النظام التركي والحكومة السورية، فهما لم يتفقا على أي شيءٍ منذ عام 2011، إلا على العمل لإفشال هذا المشروع. ويقول مراقبون، إن التطبيع بين أنقرة ودمشق ما هو إلا خطوةٌ في إنشاء تحالفٍ أوسع، يشمل روسيا وإيران، لإفشال التجربة الوليدة في المنطقة، والتي تكفل حرية المعتقد والانتماء، ولا تميز بين الأشخاص على أساس الدين أو اللون أو الجنس.
