تل حاصل وتل عران بلدتان كرديتان تقعان في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة حلب السورية، تحيط بهما قرى وبلدات عربية، تربطهم علاقاتُ ود ومحبة وحسن جوار.
حالُ البلدتين كحال باقي المدن الكردية التي عزم الكرد فيها على عدم الدخول في صراع مع اشقائهم في الوطن منذ بدء الاحتجاجات في سوريا 2011، منطلقين من قيم ومبادئ ثابتةٌ تحول دون إقدامهم على الارتهان لأي املاءات خارجية، ولقطع الطريق أمام المتربصين بهم.
هذه العزيمة والإصرار الكردي في البقاء على الحياد، لم يرقَ للاحتلال التركي الذي سارع إلى زرع الفتنة بين مكونات الشعب السوري وخلق النزاع بين الكرد والعرب.
مصادر مطلعة ذكرت أنّه في الرابع والعشرين من حزيران 2013 عقدت الاستخبارات التركية اجتماعاً مع الفصائل الإرهابية المتمثلة بـ داعش وجبهة النصرة المعروفة الآن بهيئة تحرير الشام الذراع السوري لتنظيم القاعدة الإرهابي وفصائل أخرى لها باع في ارتكاب الجرائم ضد شعوب المنطقة، إذ تم حينها الاتفاق على إبادة الشعب الكردي وتهجيرهم من مناطقهم الأصلية، بغية إحداث تغيير ديمغرافي يسهل مرحلة الاحتلال المباشر.
انبثق عن هذا الأجتماع، الذي عُقد في غازي عينتاب في تركيا بين استخبارات الاحتلال والفصائل الإرهابية، على أنْ تكون أولى المجازر وإحدى أكبرها التي تجذرت في ذاكرة الكرد في سوريا، مجزرتي تل حاصل وتل عران اللتين حصلت احداثهما في السابع والعشرين من تموز من عام 2013.
الفوضى التي حصلت في سوريا بعد الاحتجاجات عام 2011، دفعت العديد من المناطق والبلدات والقرى عن طريق رجالها ونساءها إلى حماية مناطقهم في ظل هذه الفوضى العارمة، وكان من بين تلك البلدات بلدتي تل حاصل وتل عران، بسبب وعي أبنائها، وحفاظهم على حسن الجوار مع البلدات والقرى الأخرى المحيطة بها، تجنُباً لأي اقتتال طائفي أو عرقي، لكن الاحتلال التركي حاول تعزيز هذا النهج عبر مساندة فصائل مسلحة لإحداثِ شرخٍ في النسيج السوري المتماسك.
الوعي الذي كان يتمتع به العقلاء من أبناء تلك المناطق أغلق الطريق على النظام التركي لخلقِ فتنة كردية عربية، لذلك استقدم عناصر من خارج سوريا لا يعرفون طبيعة السكان وجغرافيتها، كما دعمتهم بالمال والسلاح لتحقيق أجنداته في سوريا.
وقبل وقوع المجزرة بأسبوعٍ حاصرت الفصائل الإرهابية المتمثلة بجبهة النصرة وداعش وغيرها بلدة تل حاصل بآلاف المقاتلين جلّهم عناصر أجنبية استقدمتهم أنقرة، وتقودهم بشكل مباشر الاستخبارات التركية.
الهدف من مجزرة تل حاصل وتل عران لم يكن توسيع البقعة الجغرافية لما تسمى بالمعارضة، بل كان الهدف هو ضرب الاستقرار الكردي بالمنطقة وتهجيرهم من مدنهم وبلداتهم وقراهم من أجل إحداث تغييرٍ ديمغرافي بالمنطقة لصالح الاحتلال التركي.
جغرافية البلدتين ساعدت كثيراً جبهة النصرة الإرهابية والفصائل الإرهابية الأخرى، لتقع اختيار المجزرة الأولى ضد الشعب الكردي في تل حاصل وتل عران وبإيعاز مباشر من استخبارات الاحتلال التركي وبالتعاون مع قوات الحكومة السورية التي عمدت في وقت الهجوم إلى قطع الاتصالات بشكل كاملٍ، بالتزامن مع قصف مدفعي لقواتها بهدف ترويع الأهالي والمدنيين.
وبسبب قطع الاتصالات عن البلدتين لم تتمكن الجهات الحقوقية من رصد وتوثيق ما حصل من قتل واعتقال بحق الأهالي على يد جبهة النصرة والفصائل الإرهابية الأخرى، مقتصرة على ما تناقلته وسائل الإعلام التابعة لما تسمى بالمعارضة السورية.
فأول ضحايا هذا الهجوم كانوا أطفالَ أسرةٍ كرديةٍ عائدةٍ بسيارتها من بلدة تل عران المجاورة، بعد انتهائها من التسوق لشراء ثياب العيد. إذ أُصيب الأطفال بجروحٍ بليغةٍ إثر إطلاق النار عشوائياً على سيارتهم المدنية من قبل حاجزٍ تابعٍ لجبهة النصرة الإرهابية.
حيث قُدّر عددُ ضحايا مجزرة البلدتين بما يُقارب الخمسين شخصاً، ناهيك عن الجرحى والأسرى، وتعرّضت منازلهم وممتلكاتهم للنهب والسرقة على يد تلك الفصائل.
فيما قدرت مصادر أخرى بأن عدد المعتقلين في المجزرتين أكثر بكثير من العدد المعلن، معللاً السبب إلى أن الوسائل الإعلامية التي رصدت ووثقت أعداد الضحايا والمعتقلين هي نفسها التي دخلت مع تلك الفصائل الإرهابية إلى بلدتي تل حاصل وتل عران.
الأمم المتحدة بدورها شكلت لجنةً لتقصي الحقائق في مجزرتي تل حاصل وتل عران، حيث أصدرتْ عام 2014 بياناً اكدت فيه أن الهدف من هذه المجزرة هو التغيير الديمغرافي وإبادة الشعب الكردي في الداخل السوري، لكن هذا البيان لم يلقَ آذاناً صاغية لها وبقي في الأدراج حاله كحال كل البيانات السابقة.
ولاحقاً عندما استعادت قوات الحكومة السورية البلدتين من أيدي جبهة النصرة والفصائل الإرهابية الأخرى منعت الأهالي من العودة إلى بيوتهم حتى اللحظة، وكما أنها تضيّق الخناق على المتبقين هناك، وذلك نتيجة محاربتهم للإرهاب.
مجزرتي تل حاصل وتل عران كانت حلقة من سلسلة المجازر، التي ارتكبت في سوريا إما بإيدي الفصائل الإرهابية، وبأوامر مباشرة من استخبارات الاحتلال التركي أو بيد قوات الحكومة السورية.
ورغم مرورِ أكثر من عقد على مجزرتي تل حاصل وتل عران، لا تزالُ ذاكرة الكرد تعج بالصور المؤلمة لأحداث حاضرة في الأذهان تأبى النسيان، يستعيدون ذكراها في كل عام. بينما تبقى آمال أمهات المعتقلين معلقة بصحوة ضمائر المعنيين في حل الأزمة السورية، وتحقيق العدالة واحقاق الحق وانصاف الضحايا والمظلومين.
