على هذا الطريق العام تتكاثف ذكريات أهالي حيي الغربي وهلالية بمدينة قامشلي شمال شرق سوريا، هو طريق مشترك للحيين عند التوجه إلى السوق أو المتاجر بمختلف أنواعها أو محال الصناعة ودوائر العمل باختصاصاتها المتنوعة في مركز المدينة.
طريق تتراص فيه الأبنية السكنية التي يجمع بين سكانها حسن الجوار، الجميع يعرف بعضهم البعض بالضرورة إن لم يكن اسمياً فصورياً.
كل مار من هذا الطريق بحكم العادة أصبح يألف تقاسيم وجوه أهالي حي الغربي القاطنين على الطريق العام فأرصفة الطريق شهدت طقوس احتساء الشاي أو القهوة بين أصحاب المحال التجارية أو الجيران خلال فترات الصباح أو العصريات.
ذكريات كثيرة تجمع الأهالي بحلوها ومرها، لكن مأساة واحدة مشتركة مزقت كيانهم وقلبت حياتهم رأساً على عقب غيرت ملامحهم وملامح المكان الذي اعتادوه.
بتاريخ 27 تموز يوليو من عام 2016 خطط تنظيم داعش الإرهابي لتنفيذ تفجير ضخم يلتهم ما أمكن من حيوات مدنيين مسالمين، يمحي فيه ملامح شباب مع آمالهم وأطفال مع ألعابهم وأسر مجتمعة في دفء غرف معيشتها فاختار طريقاً انطلقت منه أولى صيحات المطالبة بالثورة والحرية والديمقراطية في قامشلي خلال عام 2011، اختار الطريق العام الذي يربط الحي الغربي وحي هلالية ويربط مدينة قامشلي بمدينة عامودا.
في حوالي الساعة التاسعة وعشرين دقيقة في صباح ذلك اليوم، هزّ تفجير عنيف الحي خطف حياة أكثر من سبعين ضحية وخلّف مئات المصابين والجرحى، هرعت على إثره سيارات الإسعاف، وقوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية آنذاك حيث تم نقل عشرات الجرحى والضحايا إلى المشافي الخاصة والعامة.
تنظيم داعش الإرهابي تبنى التفجير، وكشفت التحقيقات أن شاحنة كبيرة كتلك التي تستخدم عادة في نقل الماشية استخدمها داعش لتدخل الحي، وقدرت الجهات المختصة أنها كانت تحمل كمية كبيرة من المواد المتفجرة تجاوزت ال 14 طنا من مواد شديدة الانفجار خلفت حجماً كبيراً من الدمار، حيث أن حجم الدمار قدر بدائرة قطرها أربعمئة م وحجم الأضرار قدر بدائرة قطرها ألف م ، وكما بدا حينها في التحقيقات فإن التنظيم الإرهابي استهدف من خلال التفجير بالدرجة الأولى حاجزاً لقوات الأمن الداخلي في الحي.

لم يكن تفجير حي الغربي الأول من نوعه في مناطق الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا الذي يخطط له تنظيم داعش الإرهابي، بل لجأ التنظيم إلى محاولات مماثلة راح ضحيتها مئات الضحايا المدنيين كان هدفه منها بالدرجة الأولى ضرب الاستقرار النسبي الذي شهدته هذه المناطق وإحباط مشروع الإدارة الذاتية الذي بدأ يتقدم فيها.
والجدير ذكره أنه بعد مقاومة كوباني في ألفين وأربعة عشر بدأت وحدات حماية الشعب بالتحالف مع قوات عسكرية سورية أخرى في المنطقة تجمعت تحت راية قوات سوريا الديمقراطية في ألفين وخمسة عشر ووضعت نُصب عينيها تحرير مناطق شمال وشرق سوريا من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، فأطلقت الحملات وسطرت ملاحم انتصار أثارت غيظ قيادات التنظيم الإرهابي فلجأ لارتكاب عمليات تفجير استهدفت المدنيين وألحقت أضراراً كبيرة بالبنى التحتية.
في الأول من يناير/ كانون الثاني ألفين وثمانية عشر، أعلنت قوات سورية الديمقراطية تمكنها من القضاء على المخطط لتفجير الحي الغربي بمدينة القامشلي، وأوضحت قسد في بيان، أنه بعد زمن من التتبع والمراقبة، تمكنت في عملية نوعية بدير الزور شمال شرق سوريا من قتل مدبر الهجوم، مشيرة إلى أن العقل المخطط لمجزرة قامشلي هو حسين أبو الوليد، وهو منظم ومسؤول العديد من التفجيرات والعمليات الانتحارية في الجزيرة وغيرها من المناطق.
وفي الثالث والعشرين من مارس آذار ألفين وتسعة عشر تكللت حملات قسد بالقضاء الكامل على تنظيم داعش الإرهابي عسكرياً عندما تمكن من إلحاق الهزيمة بصفوفه في آخر معاقله بقرية الباغوز التابعة لدير الزور.
رغم ذلك الانتصار لا يزال التنظيم الإرهابي يشكّل خطراً كبيراً في المنطقة والعالم إذ لم تتوقف بعد مساعيه في إعادة بناء نفسه عبر خلاياه النائمة واستعادة السيطرة الجغرافية على بعض المناطق.
ويأتي التهديد الأكبر أن آلاف عناصر التنظيم الإرهابي لا يزالون محتجزين لدى الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا دون أن يخضعوا لمحاكمة دولية ينظمها المجتمع الدولي من أجل تخفيف العبء على الإدارة، خاصة وأنها تعرضت لتهديد مباشر بداية عام ألفين واثنين وعشرين من خلايا التنظيم النائمة بعد محاولتها اقتحام سجن غويران حيث آلاف عناصر التنظيم كانت محجوزة فيه.
أما عوائل التنظيم من النساء والأطفال فلا زالوا محتجزين في مخيمي الهول وروج بشمال وشرق سوريا مما يضطر قوات سوريا الديمقراطية لإجراء حملات بين الفترة والأخرى من أجل كبح محاولات القتل وتهريب السلاح وإقامة حلقات تحيي إيديولوجيا داعش لدى الأطفال في المخيم من قبل نساء داعش.
في كل عام يستذكر أهالي حي الغربي ضحاياه كلما حلّ السابع والعشرين من تموز، يتجمهرون في مكان التفجير ويقفون دقيقة صمت حاملين صور الضحايا وموقدين الشموع تخليداً لذكراهم.
