مهنٌ صعبةٌ اضطر أصحابها للعمل فيها، لأنهم لا يتقنون غيرها، بحكم ظروفٍ عامةٍ وأخرى خاصة، بعضهم بدأ العمل بها في سنٍّ صغيرة، ورغم علامات الجهد المضني التي علّمت على وجوههم وأبدانهم اليوم، إلا أن السنوات الطِوال خلقت جواً من الألفة بين العمال والعمل هوّنت عليهم تحمُّل المشقة.

منذ الثالثة والنصف فجراً استعدت أم محمد للالتحاق بمجموعتها للقدوم إلى هذه الأرض الزراعية، التي تبعد عن مكان إقامتها مسافةً تستغرق حوالي ثلاث ساعات، ليعملن سويةً على تنظيفها من الأعشاب الضارة، مقابل أجرٍ مُتفقٍّ عليه بين مشرف مجموعتهن الذي يُطلق عليه الشاويش مع صاحب الأرض.
1\ أيار #يوم_العمال_العالمي #قناة_اليوم pic.twitter.com/zMVT2rxeHN
— قناة اليوم (@alyaum_news) May 1, 2024
عملٌ يتطلب من أم محمد، التي انخرطت فيه منذ سنوات شبابها الباكرة، وزميلاتها، البقاءَ بظهورٍ منحنيةٍ ساعاتٍ طوال تحت أشعة الشمس الحارقة، لتلقُّف الحشائش الضارة والغريبة، ويكون أجر أم محمد في نهاية اليوم مبلغاً رمزياً من المال، تعود به إلى المنزل لتساعد زوجها في إعالة أطفالها.

قادمةً من الحسكة.. قاصدةً ريف عامودا، جاءت حميدة وابنتيها لتعمل كأم محمد في تنظيف الأرض، حيث مضى لها أحد عشر عاماً في امتهان هذا العمل، وأكثر ما يثير قلقها هو بقاء طفلين لها وحيدين في المنزل إلى حين عودتها.
ويرافق حميدة في رحلة عمل اليوم ابنُها الصغير، فيرأف لحال أمه ويجثو على ركبتيه الصغيرتين متلقّفاً الحشائش، في محاولةٍ منه لتخفيف الجهد عليها.
طوال الأحد عشر عاماً الفائتة اضطرت حميدة للعمل في أراضٍ كثيرة، بعض أربابها كانوا رؤوفين بالعاملات، وآخرون قساةً معهن، ويشاركها العمل اليوم ابنتين يبدو أنهما ستحملان المستقبل المهني عينه لوالدتهما.
مثل هاتين العاملتين يشرع عبود منذ ساعات الصباح الباكر بعمله في تفقد أرضه بريف عامودا شمال شرقي سوريا، وحراثة الأجزاء التي تحتاج هذا الإجراء، ثم سقاية الأنواع التي تحتاج المياه بشكلٍ يومي.
فتح عينيه على هذا العمل مذ كان طفلاً صغيراً يرافق والده للعمل في هذه المزرعة التي ورثها عنه، فخصص مساحةً منها لزراعة أصنافٍ مختلفةٍ من الخضروات، ومساحةً أخرى لأشجار الزيتون وأشجار التوت، إلى جانب تخصيص مكانٍ للمرعى، حيث يربي عشرات الأغنام فيها.

يختلف وضع عبود عن وضع العاملتين بأنه هو صاحب العمل والمستفيد الوحيد من خيراته المدرارة، لكنه مثلهما يفوّض أمره لرحمة الله عندما تعصف السنوات العِجاف بالمنطقة.
عبود يقول إنه لا يتقن سوى هذا العمل، وإن أي طارئٍ يتسبب بتعطيل الزراعة سواءً كان الجفاف أو نقص فيول المولدة لسقاية الأرض، أو حتى فقدان الأسمدة، كلها عوامل من شأنها القضاء على حياته المهنية.
منذ سبع سنوات بدأ هاشم العملَ في بلدية عامودا في شمال شرق سوريا، كعاملِ نظافةٍ لتأمين لقمة عيش عائلته؛ يركب عربته، المخصصة لهذا الغرض، يومياً متجولاً في الأحياء لالتقاط أكياس القمامة والتوجّه بها نحو مكب النفايات، عند الانتهاء من الجولة.
أكثر ما يغص به صدر هاشم هو عدم التقدير الذي يقابله من بعض الأهالي، فيأسف لحال القمامة المرمية بشكلٍ عشوائي، والمتناثرة محتوياتها حول الحاويات، معتبراً إياها من أكثر المشاهد الملوثة للبصر وأكثرها ضرراً للصحة.
كغيره من عمال الأجرة لا يلقى هاشم الدعمَ من أي جهة، عندما تصيبه نائبةٌ وله في هذا الشأن قصةٌ يشكوها إلينا..
متكدسات في سيارتي نقلٍ لا تجد بعضُهُنَّ مكاناً للجلوس، فيمكثن واقفاتٍ في مكانهن دون حراك، ومن الحظوة أن بعضهن قد يجدن مكانَ مقبضِ يدٍ يثبّتن به قاماتهن، فما يُسعد خاطرهن أنه موعد الرحيل أخيراً، وقد يشرَعن بالغناء والتصفيق متناسياتٍ للحظات، أن لهن مع العمل لقاءٌ آخرُ مع بزوع الفجر غداً.
