في نهاية العام ألفين وعشرة وتحديداً في السابع عشر من شهر كانون الأول ديسمبر، أضرم أحدُ الباعة الجوالين في تونس واسمه محمد البوعزيزي النارَ في جسده في ولاية سيدي بوزيد، احتجاجاً على صفعه من قبل الشرطة التي صادرت عربةً كان يكسب منها قوتَ يومه، وقالت له ارحل…. كلمةٌ قالتها شرطية، تحوّلت فيما بعد إلى شعارِ حَراكٍ سلمي للإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وكذلك شعار الانتفاضات الشعبية في دولٍ عربيةٍ أخرى.

محمد البوعزيزي الذي توفي بعد 18 يوماً متأثراً بحروقه، لم يكن يعلم أن النار التي أشعلها في جسده ستشعل ثورةَ الغضب في بلاده وبلدان أخرى، كانت على موعدٍ مع كتابة تاريخٍ جديدٍ غيّر ملامح منطقةٍ تحكمها أنظمةُ حكمٍ أكل الدهر عليها وشرب….تيمُّناً بأشهر ما نُظم في العصر الحديث للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي… إذا الشعب يوماً أراد الحياة… فلابد أن يستجيب القدر…

بعد شهرٍ تماماً من الحادثة، وتضامناً مع ثورة البوعزيزي التي آتت أُكُلها سريعاً، أشعل أربعة مصريين في الثامن عشر من كانون الثاني يناير ألفين وأحد عشر النار في أنفسهم بشكلٍ منفصل، احتجاجاً على الأوضاع المتردية عموماً…وهم محمد فاروق حسن وسيد علي ومحمد عاشور سرور من القاهرة، وأحمد هاشم السيد من الإسكندرية وكان ذلك بمثابة ناقوس خطرٍ للسلطات المصرية.

حاولت مصر آنذاك برئاسة محمد حسني مبارك الذي تقلّد السلطة عام ألفٍ وتسعمئة وواحدٍ وثمانين، أن تُقلل من شأن ربيع تونس الذي أفضى إلى تغيير نظام الحكم فيها سريعاً، لكن الشارع المصري كان أشبه بجمرٍ تحت الرماد، فانتفض في ميادين وساحات محافظاتٍ مختلفة على رأسها القاهرة والإسكندرية والسويس.

قوات الأمن المصرية قابلت التظاهرات رغم طبيعتها السلمية، بالعنف والقوة المفرطة، فاقتحمت ساحات التظاهر عدة مرات، في محاولةٍ لتفريق المحتجين، واندلعت على إثر ذلك اشتباكاتٌ عنيفةٌ استخدم خلالها عناصرُ الأمن الرصاص الحي والمطاطي والعِصِيَّ وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، ما أسفر عن سقوط ثلاثمئةٍ وأربعةٍ وثمانين شخصاً بينهم عسكريون، بحسب إحصائياتٍ رسمية.

شارك في التظاهرات المليونية في ميدان التحرير وميادين أخرى، مجموعاتٌ متنوعةٌ من النُّخَب السياسية والاجتماعية ومنظمات مجتمعٍ مدني، وحركاتٌ سياسية كانت تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً أساسياً في تنظيم التظاهرات والتنسيق بين جميع الأطراف المشاركة فيها.
الانتفاضة بحسب المتابعين جاءت بصورةٍ رئيسية احتجاجاً على الواقع الاقتصادي وزيادة نسبة الفقر وندرة فرص العمل وانتشار الفساد، بالإضافة إلى حالة الطوارئ والقمع السياسي وعدم وجود انتخاباتٍ حرةٍ نزيهة وأسباب أخرى كثيرة.
الخامس والعشرون من شهر كانون الثاني يناير ألفين وأحد عشر، تاريخٌ نزل فيه آلاف المصريين إلى الشوارع والساحات تحت شعار “تغيير..عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية” … وهو اليوم الموافق لعيد الشرطة التي اتُهمت بانتهاك حقوق الإنسان في عهد مبارك. لكن الهتافات تغيّرت سريعاً خلال الليل إلى “الشعب يريد إسقاط النظام”.

في اليوم التالي فضّت قواتُ الأمن بالقوة اعتصاماً للمحتجين في ميدان التحرير في قلب القاهرة، لكن التظاهرات لم تتوقف في أنحاء العاصمة ومحافظاتٍ أخرى، وبدأ هتاف “ارحل” يتردّد بقوةٍ بين المتظاهرين، في إشارةٍ إلى مطالباتٍ بتخلي مبارك عن السلطة.
في الثامن والعشرين من كانون الثاني يناير قطعت الحكومة المصرية خدمات الإنترنت، في محاولةٍ للحيلولة دون تواصل النشطاء، لكن ذلك لم يمنع خروج احتجاجاتٍ حاشدةٍ في القاهرة والسويس والإسكندرية والمنصورة ومناطق أخرى، فيما عرف باسم “جمعة الغضب”. وبدأ المحتجون اعتصاماً مفتوحاً في ميدان التحرير، فيما أمر مبارك قوات الجيش والدبابات بالانتشار في المدن لحفظ الأمن في أنحاء البلاد وأعلن حظر التجول من السادسة مساءً إلى السابعة صباحاً.
جسر قصر النيل في شارع التحرير المؤدي إلى الميدان وسط القاهرة، كان في ذلك اليوم مسرحاً لمواجهةٍ بين المتظاهرين وقوات الأمن. وأبرز المشاهد المصورة، التي لاقت انتشاراً منقطعَ النظير، اُلتقطت لجموعٍ غفيرةٍ من المتظاهرين في منتصف الجسر أمام قوات الأمن، بينما كانت الأخيرة تحاول تفريقهم باستخدام خراطيم المياه لمنع تقدمهم نحو ميدان التحرير.

تدخُّل الجيش لقي ترحيباً جماهيرياً على اعتبار أن المؤسسة العسكرية محايدة بعكس الشرطة التي تنتشر عادةً لتنفيذ أوامر الحكومة وقمع الاحتجاجات. وبالفعل أكد الجيش عشيةَ مظاهراتٍ حاشدة أنه لم ولن يطلق النار على المتظاهرين السلميين.
بعدها ألقى مبارك خطابه الأول وأعلن فيه إقالة حكومة أحمد نظيف وتكليف أحمد شفيق بتشكيل حكومةٍ جديدة، لكن ميادين الاعتصام ازدادت سخونة، وإصرارُ المحتجين زاد أيضاً على مواصلة ما بدأوه في طريق تحقيق الحرية والعدالة.

في الأول من شباط فبراير، احتج نحو مليون مصري في ميدان التحرير ومناطق أخرى في عموم مصر، لمطالبة مبارك بالتنحي، لكن الأخير ألقى خطابه الثاني وتحدث فيه عن إجراء تعديلات دستورية، وأنه لن يترشح لولاية رئاسية سادسة بعد انتهاء ولايته في أيلول سبتمبر.
غداةَ خطاب مبارك الثاني، حدث ما عرف إعلامياً باسم “موقعة الجمل” في الثاني من شباط فبراير…. هجومٌ بالجمال والخيول على المعتصمين في ميدان التحرير، فكان أشبهَ بمعركةٍ تاريخية وقعت في العصور القديمة، سقط على إثرها العديدُ من القتلى. واتَّهمت جهاتٌ عديدة نظامَ مبارك بتجنيد بعض البلطجية والمرتزقة، لتنفيذه الهجوم السريالي بهدف إخلاء الميدان وإنهاء الاعتصام.
في الرابع من الشهر ذاته انضم مئات الآلاف من المصريين إلى المعتصمين في ميدان التحرير للضغط مرةً أخرى وإنهاء حكم مبارك الممتد منذ30 عامًا، فيما سُمي بمليونية “جمعة الرحيل”، قبل أن يتوسّع الاعتصام ويمتد إلى الشارع الذي يقع فيه مجلس الشعب ومجلس الوزراء قرب ميدان التحرير.
أبرز حلفاء الرئيس المصري في الغرب وهي الولايات المتحدة رأت، أن مبارك بات كرتاً محروقاً. ورفضت خططه للبقاء في السلطة حتى سبتمبر أيلول. وقال البيت الأبيض إن واشنطن تريد أن يحدث التغيير في مصر الآن، وأضاف “الآن تعني الآن”.
بعدها بيومين خرج الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما، وطالب مبارك بالاستماع إلى مطالب المتظاهرين، ملمِحاً أن عليه التنحي، لكن دون أن يذكر ذلك صراحة.
الحادي عشر من شباط فبراير عام ألفين وأحد عشر لم يكن يوماً عادياً في مصر، شارك فيه أكثرُ من مليون شخصٍ في احتجاجاتٍ حاشدة بميدان التحرير ومدنٍ أخرى تحت مُسمّى “جمعة الزحف” وفي مساء ذلك اليوم، ألقى عمر سليمان، نائب الرئيس المصري بياناً مقتضباً أعلن من خلاله قرارَ مبارك التنحي عن السلطة، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة محمد حسين طنطاوي بإدارة شؤون البلاد، وذلك تحت ضغطٍ شعبي غير مسبوق…. وقتها عمّت الفرحة الغامرة ساحات وميادين التظاهر في مصر، والتي لعبت دوراً محورياً في الحراك الجماهيري، وأبرزها ميدان التحرير وسط العاصمة وميدان إبراهيم بالإسكندرية والشهداء في بورسعيد والأربعين في السويس.. وهذا الأخير احتلَّ مكانةً خاصة، إذ تشير تقاريرُ إلى أن أول ضحايا ثورة يناير سقطوا في ذلك الميدان.
المجلس العسكري أعلن في الثالث عشر من الشهر ذاته تعليقَ الدستور، وحلَّ مجلسَي الشعب والشورى، واستلام الحكم لبضعة أشهر حتى إجراء انتخابات جديدة.
الميادين والشوارع الرئيسية في مصر، تذكّر حتى الآن بأحداث بارزة عاشها المصريون لمدة ثمانية عشر يوماً، ولن تمحى من ذاكرتهم طوال حياتهم، وفي مقدمتها ميدان التحرير… هذا الميدان ركّزت عليه وسائل الإعلام المحلية والأجنبية…وهو الرمز الأبرز الذي توجهت إليه الأنظار، نظراً لموقعه في قلب القاهرة، حيث تجمعت فيه أغلب رموز الحركة الاحتجاجية من جميع التيارات السياسية والحزبية والمستقلة، ومنه انطلقت تصريحاتٌ ومطالبُ على لسان شخصياتٍ سياسية، وشبابٍ مُتحمِّسٍ مُطالبٍ بالتغيير.
اليوم وبعد ثلاثة عشر عاماً، يعتبر الكثيرون أن الانتفاضة المصرية في الخامس والعشرين من يناير، هي أحد أهم الأحداث الفارقة في تاريخ مصر الحديث… وعلى الرغم من أن البعض يتحدث عن إخفاقاتٍ حدثت، فإن مصر بعد هذا التاريخ لم تعد بالتأكيد كما كانت قبله، وربما كنا بحاجةٍ لمزيدٍ من الوقت للحكم على النتائج.
