سياسة التغيير والتهجير التي تشهدها محافظة كركوك شماليَّ العراق ليست بجديدة، إذ طالما حاولتِ الأنظمة المتعاقبة على حكمِ المِنطقة تغييرَ التركيبةِ السكانيةِ هناك، وها هو ذا الجيش العراقي باستيلائه على بعض منازل الكرد يعيد إحياءَ محاولاتِ التعريبِ إلى أذهانِ سكّانِ كركوك الذين خرجوا بكردهم وعربهم، بشيبهم وشبابهم رفضاً لسياسةِ الإقصاء والإنكار وضربِ التعايش السلمي بين مكونات المحافظة.
#العراق
احتجاجات غاضبة واحتقان ضد محاولات التعريب والتدخلات التركية في #كركوك#قناة_اليوم #تقارير_خاصة pic.twitter.com/2NUtccqoHi— قناة اليوم (@alyaum_news) January 20, 2024
التسامح والتعايش والوئِام بين الأديان والمذاهب المختلفة والأعراق من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والأرمن، سِمةٌ طالما تميَّزت بها كركوك عن غيرِها من المحافظات العراقية، علاوةً على ما تملكه من بترولٍ وغازٍ وخصوبةِ أرضٍ وموقعٍ جغرافيٍّ وتجاري جعلها محطَّ أطماعٍ خارجية، ولا سيما التركية منها.
الأطماع التركية ظهرت علانيةً إبان الانتخابات المحلية العراقية، ذلك بمطالبة النظام التركي بمنصب محافظ كركوك للمكوّن التركماني في محاولةٍ منه لخلط الأوراقِ بين الساسةِ العراقيين، لا سيما بعد فوزِ الكرد هناك بغالبيةِ الأصوات، وسط ردود فعلٍ وُصِفَت بالخجولة من قبل الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم إزاء تلك المطالبات.
مصادرُ سياسية عراقية أكدت أنّ للنظام التركي مطامعَ تاريخيةً في كركوك، مشيرةً إلى أنّه يتصرّف تحت تأثيرِ عدائِهِ المستحكمِ لكرد المنطقة ككل، وأنّ اهتمامه بكركوك هو من منطلق طمعه في السيطرة على أحد أهمّ منابعِ النفط في العراق، ومعتبرةً في الوقت نفسه أنّ النظام التركي يريد من وراء ذلك أن يبقي إدارة المنطقة بأيدي جهاتٍ يعوّل عليها مستقبلاً كالتركمان بعيداً عن أيدي الكرد هناك.
استخدام النظامِ التركي تركمان العراق جسراً للتدخّل في قضية كركوك، بانَ واضحاً من خلال تصريحاتٍ لمسؤولين حزبيين وحكوميين أتراك، من بينهم زعيمُ حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الذي سبق له القول إن الأقلية التركمانية العراقية التي تربطها صِلاتٌ عرقية بتركيا “لن تُتركَ وحدَها” في كركوك، وأيضاً الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، الذي سبق له القول إن “كركوك فيها الكرد وفيها العرب أيضاً، إلا أنّ الهوية الأساسية لها أنها مدينة تركمانية” دون أيِّ اعتبارٍ لوجودٍ أو تاريخٍ يُحدِّد مرجعَ المدينة لسكانها الكرد الأصليين.
إلا أن سكّان المدينة بكردِهم وعربهم كانوا يقظين تجاه تلك المحاولات فخرجوا بمظاهراتٍ واسعة للتعبير عن غضبهم ورفضهم لكل ما من شأنه المساس بشؤون محافظتهم، لا سيما محاولات الجيش العراقي الاستيلاء على بعض المنازل وإخراج سكانها منها بحججٍ وذرائعَ واهيةٍ، والتي جاءت بالتزامن مع التدخلات التركية الأخيرة في شؤون المحافظة.
ويرى مراقبون للشأن العراقي أن مستقبل العراق يتوقّف على إيجاد حلٍّ للمشكلات التي تهدد النسيج الاجتماعي بين مكوناته ولا سيما مشكلة كركوك، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي لا تريد بالمنطقة وأهلها خيراً، وغير ذلك سيكون من الصعب تحديد الوضع النهائي للمدينة في ظل الخلافات السياسية والقانونية والدستورية إزاء تلك القضايا.
