عن عفرين تقول صفحات الويب إنها.. منطقةٌ جبلية تقع أقصى شمال غربي سوريا.. مساحتُها حوالي ثلاثة آلافٍ وثمانمئةٍ وخمسين كيلو مترٍ مربع .. متنوعةٌ في جغرافيتها بين الجبال والسهول والوديان الخصبة الغنية بالينابيع والجداول.. يمر بها نهر عفرين الذي يعتبر مع روافده من أهم المصادر المائية لهذه المنطقة الزراعية..
#عفرين … ست سنوات من #الاحتلال و #التهجير ويبقى #الزيتون شاهداً#قناة_اليوم #ملف_خاص pic.twitter.com/EUvih9nXos
— قناة اليوم (@alyaum_news) January 20, 2024

إذ لطالما امتازت منطقة عفرين بمناخها المتوسطي ومعدلات الأمطار العالية ما جعلها مناسبةً لكل الزراعات الموسمية والحِراجية، فمَن منا لا يعرف أن عفرين رمزٌ لزراعة الزيتون التي تعتبر رئيسية فيها. عدد أشجار الزيتون في عفرين فاق ثلاثة عشر مليون شجرةٍ قبل الاحتلال التركي للمنطقة عام 2018.

إدارياً تتألف عفرين من مدينة عفرين وسبعِ نواحٍ هي: شران، شيخ الحديد، جنديرس، راجو، بلبل، شيراوا ومعبطلي إلى جانب ثلاثمئةٍ وستٍّ وستين قرية.
بلغ إحصاء سكان منطقة عفرين حتى نهاية عام 2010 أكثرَ من خمسمئةٍ وثلاثةٍ وعشرين ألفَ نسمة، غالبيتهم من المكون الكردي.
#عفرين 6 أعوام تحت بطش #الاحتلال_التركي #قناة_اليوم #شمال_وشرق_سوريا pic.twitter.com/OxOwu9DG3v
— قناة اليوم (@alyaum_news) January 20, 2024
آثار عفرين التاريخية
أعمق من أرقام الويب والطرح الجغرافي لواقع عفرين، فإن هذه المنطقة تعتبر هويةً مكانيةً غنية، وهي طاعنةٌ في قدم التاريخ الإنساني، توشمها الآثار التي أرجع المنقبون بعضَها إلى مرحلة ظهور الإنسان العاقل الأول، فيما تحمل أخرى طابعَ ثقافاتِ مختلف الحضارات الإنسانية العريقة، التي شهدها حوض المتوسط من الحثيّة والحورية والميتانية والميدية وغيرها.
معبدُ عين دارا أو معبد إله الشمس.. من آثار التاريخ الميتاني في عفرين الذي يقع في وادي نهر عفرين على الضفة اليسرى.

معابدُ الديانة الإيزيدية التي تعد من أقدم الديانات التي شهدتها عفرين تتوزع في القسم الجنوبي الشرقي منها.
وفي فترة الإمبراطورية الرومانية، تحديداً في عهد قسطنطين تم بناء كنيسة جنديرس، أما كاتدرائية القديس سمعان أو قلعة سمعان الواقعة في القسم الجنوبي الشرقي من عفرين، بنيت في عهد الإمبراطور الروماني زينون، تكريماً للقديس المسيحي سمعان العمودي الذي نسك حياته للعبادة في تلك المنطقة.
مدينة نبي هوري الأثرية تضم آثاراً ظاهرة لأربع حضارات تعود إلى اليونانيين والرومان والبيزنطيين المسيحيين والفترة الإسلامية.

تسمية عفرين
إبّان مرحلة الانتداب الفرنسي لسوريا قُسّمت المنطقة المعروفة تاريخياً بكردداغ/ جبل الكرد إلى قسمين: شمالي ضُمَّ إلى تركيا، وجنوبي احتَفظ به الفرنسيون، وبقيت تسمية عفرين “كردداغ” في التداول الرسمي بسوريا حتى السنوات الأولى من استقلالها، ثم تُرجم الاسم إلى العربية وأصبح “جبل الكرد”، وفي سنوات الوحدة المصرية – السورية أُهمِل استعمالُ ذلك الاسم وأصبحت المنطقة تعرف بعفرين نسبةً إلى اسم النهر.

الإدارة الذاتية لعفرين
مع بدء الحَراك الشعبي السلمي في سوريا عام 2011 ضد السلطة، انحرف الحَراك السلمي في بعض المناطق السورية فيما بعد عن مساره الحقيقي، وتم إخراج جميع قوات الحكومة السورية من مناطق شمال وشرق سوريا من أجل حشدها في مناطق أسماها رأس الحكومة بشار الأسد بسوريا المفيدة، ما دفع أهالي مدينة كوباني شمال وشرق سوريا في العام التالي إلى طرد مَن تبقّى من أزلام الحكومة في المؤسسات الخدمية والإدارية واستلام زمام المبادرة من أجل إطلاق مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وفقاً لمبادئ الأمة الديمقراطية.
أسوةً بكوباني أعلنت كلٌّ من الجزيرة وعفرين إداراتها الذاتية، خاصةً مع ما شهده المشهد السوري من انزلاقٍ نحو المجهول، فكانت خطوةُ الإدارة الذاتية دعامةً أساسيةً لمنع انجرار منطقة شمال وشرق سوريا نحو الفلتان الأمني وعدم السماح للتنظيمات الإرهابية باستهداف المنطقة، خاصةً مع التدخل التركي الذي ساهم في ارتهان ما تسمّى المعارضة السورية وتحويل مناطق سيطرتها في غرب سوريا قريباً من عفرين إلى بؤرٍ للإرهاب.
عفرين التي أعلنت إدارتَها الذاتية بتاريخ التاسع والعشرين من يناير من عام 2014 شرعت ببناء مؤسساتها وأقامت أوّل جامعةٍ على أرضها في السادس والعشرين من يوليو 2015 باسم جامعة عفرين، بأربعِ كلياتٍ وستة أقسامٍ هي: الطب والأدب الكردي والاتصالات والهندسة الزراعية والميكانيكية والاقتصاد. وبطاقمٍ تدريسيٍّ مؤلفٍ من اثنين وعشرين أستاذًا، بعضهم حاصلٌ على درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير، بالإضافة إلى مهندسين.
وطالما سُمّيت ثورةُ شمال وشرق سوريا بثورة المرأة فقد شهدت عفرين أيضاً قيامَ أول كتيبةٍ عسكريةٍ لوحدات حماية المرأة هي كتيبةُ الشهيدة روكن من مبدأ أن تحمي المرأةُ مكتسبات ثورتها في الإدارة الديمقراطية.
وعبر مراحل ثورة شمال وشرق سوريا سواءٌ في مقاومة كوباني أو في مقاومة العصر، قدّمت شاباتُ عفرين المناضلات ملاحمَ بطوليةً وأيقوناتِ مقاومةٍ أمثال آرين ميركان وأفيستا خابور.
مقاومة العصر
من سوء طالع عفرين أن النظام التركي الذي تدخّل في الأزمة السورية عسكرياً في 2016 وتمكن من ارتهان الفصائل الإرهابية التي تُسمي نفسها معارضةً في مناطق شمال غربي سوريا وجذب مجموعاتٍ أخرى إرهابية، ودعمها لوجستياً وعسكرياً لبث الفوضى والفلتان الأمني في تلك المنطقة، بدأ التخطيط لاحتلال عفرين بهدف القضاء على مشروع الإدارة الذاتية فيها، لتكون خطوته التالية العَبَث بملامح المنطقة وتحويلها إلى ساحةٍ لعراك العصابات المسلحة وانتهاكاتها، تسلِب الممتلكات وتنتهك حقوق المدنيين الأصليين وحرياتهم دون حسيبٍ أو رقيب.
في 20 يناير 2018 بدأ جيش الاحتلال التركي باستهداف أرياف المنطقة بالمدفعية والطيران الحربي والزحف نحوها، وهنا اتخذَ شعبُ عفرين خيارَ الصمود وقرر شبانُها وشاباتها المقاومةَ في وجه الهجمات التركية والدفاع عن مدينتهم.

من الجدير الإشارة هنا إلى أن قوات سوريا الديمقراطية كانت مُنشغلةً بحملاتِ تحرير دير الزور من تنظيم داعش الإرهابي فجاءَت الفرصةُ مواتيةً للنظام التركي للإقدام على جريمة الاحتلال، لكن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة اتخذت قراراً بإيقاف الحملة والتوجّه نحو حماية عفرين وإرث الإدارة الذاتية للشعب فيها، فأطلقت وحداتُ حماية الشعب “مقاومة العصر” منذ بداية الهجوم وتمركزت قواتُها في الخطوط الأمامية من أجل الدفاع عن المنطقة ومنع الزحف التركي المسنود بدعم الفصائل الإرهابية.

أبدت وحـدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة مقاومةً بطوليةً لثمانيةٍ وخمسين يوماً، لوحدِهنَّ دون مساعدةٍ من أي طرفٍ دولي، إذ بقي الصمتُ الدولي إزاء الانتهاك التركي سيّد الموقف مرةً أخرى، طالما لا تتضررُ مصالح الدول الكبرى. عاملٌ جاء لصالح النظام التركي الذي تمكن بالقصف المدفعي والطيران من احتلال المنطقة وتدمير أجزاءٍ كبيرةٍ منها.
عفرين تحت الاحتلال
أُغلقتِ الجامعةُ الأولى التابعةُ الإدارة الذاتية في عفرين مع بداية الهجوم العسكري التركي ونُقلَ الطلابُ إلى جامعة روج آفا في قامشلي، بينما تطوّع البعض منهم وتوجهوا إلى المستشفيات والخطوط الأمامية للمقاومة، وبعد الاحتلال بات كوادرُ تدريس الجامعة ملاحَقين من قبل الفصائل الإرهابية وأفادت تقاريرُ بإقدام فصيلِ ما يُسمى “أحرار الشرقية” على خطف دكتورٍ في الأدب الكردي بالجامعة.
ليس إغلاقُ الجامعة نقطةً من فيض انتهاكات الاحتلال التركي وفصائله الإرهابية لعفرين، إذ تسبّبت الفصائل منذ الاحتلال بقتل وجرح الآلاف من المدنيين، بينهم نساءٌ وأطفالٌ وكبارُ سن، ناهيك عن الخطف والاعتقال القسري.وأدى الهجومُ التركي إلى تدميٍر كُليٍّ أو جزئي لمنازل السكان والمرافق العامة كالمشافي والمساجد والمدارس، ومنشآت مياهِ الشرب، عن سابق إصرارٍ وتعمُّد.
وبالتأكيد لم تسلمِ المواقعُ الأثرية الشهيرة من التخريب والتدمير من أجل إخفاء تاريخ المنطقة، والشروع بخطوةِ التغيير الديمغرافي ومشاريع تتريك المؤسسات وبناء المستوطنات.
محاولة التغيير الديمغرافي وتتريك عفرين

مخططاتُ الاحتلال التركي لعفرين ـ مع مرور ستِّ سنواتٍ على جريمة الاحتلال ـ ذهبت إلى حدود انتهاك خصوصية المكان وأصالته، بل محاولةِ محوه بفرض سياسات التتريك وإقامة مدارسَ تُعلِّم باللغة التركية. إضافةً إلى تداول العملة التركية التي يستفيد منها النظام أيضاً في تغطية السقوط الذي تشهده الليرةُ التركية أمام العملات الأجنبية باستمرار، وكذلك فرض البضائع التركية على المنطقة عبر الممرات الحدودية والاستفادة من المنطقة تجارياً في تصريف البضائع.
إدارياً، تتبع عفرين ولايةَ هاتاي/ لواء اسكندرون سابقاً، التي احتلتها تركيا بموجب اتفاقٍ مع الحكومة السورية، وينوبُ عنها في العمل على الأرض في عفرين فصائلُ إرهابيةٌ يديرون الشؤون وفقاً لأهوائهم، لتوثّق التقاريرُ الحقوقيةُ انتهاكاتٍ جِسيمةً تَطال السكان وممتلكاتهم.
وبدعمٍ من بعض الجماعات المندرجة تحت اسم الإخوان المسلمين في الكويت وقطر وفلسطين، حصل النظامُ التركي على دعمٍ من أجل تحويل مساحاتٍ واسعةٍ من الأراضي في عفرين إلى مستوطنات، بُغية التخلُّصِ من اللاجئين السوريين في تركيا وتوطينهم قسراً في تلك المباني، فيما خُصِّصت أخرى من أجل عوائل الفصائل الإرهابية وزعمائها.
رغم كل محاولات الاحتلال تلك، فإن أهالي عفرين الصامدين في مخيمات النزوح بريف حلب الشمالي المعتمدة على المساعدات المتواضعة التي تُقدِّمُها الإدارةُ الذاتية لهم، يصرون دائماً على العودة وتحرير عفرين لتكون جزءاً من المشروع الديمقراطي في سوريا المستقبل، وإكمال مشروعِ أخوّة الشعوب الذي بدأ في شمال وشرق سوريا.
