تشهد سوريا منذ بداية الأزمة فيها، قبل أكثرَ من اثني عشر عاماً، تدخّلاتٍ من أطرافٍ إقليميةٍ ودولية، تتفق في ظاهرها على مساعدة الشعب السوري، إلا أنها في واقعِ الأمر تُنفّذ أجنداتٍ تخدم مصالحها، بغض النظر عن التداعيات والأزمات التي يعانيها ملايينُ السوريين، من مختلف المكونات.
الولايات المتحدة تعد من أبرز الأطراف المتدخلة في الساحة السورية، لكن موقفها يوصف بالغامض والمتناقض في أغلب الأحيان، ولا سيما حول ما يخصُّ الاحتلال التركي للأراضي السورية، فبعد أيامٍ من تصريحاتٍ لمتحدثٍ باسم الخارجية الأمريكية، تنفي عمليات التغيير الديمغرافي في عفرين المحتلة شمال غربي سوريا، فرضت واشنطن عقوباتٍ على فصيلَين إرهابيين تابعَين للاحتلال التركي بعفرين.
العقوبات التي استهدفت على وجه الخصوص فصيلَي “العمشات” و “الحمزات” الإرهابيين وقياديين بارزين فيهما، سرعان ما بدأت الشكوكُ تحومُ حول أهدافها، في ظل الحديث عن محاولةٍ أمريكيةٍ لإخلاء مسؤولية الاحتلال التركي من الجرائم والانتهاكات المرتكبة في المناطق التي تحتلها شمالي سوريا.
توجّهٌ تؤكده، بحسب مراقبين، تصريحاتُ المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر قبل أسابيع، حول نفي مخططاتِ التغيير الديمغرافي بعفرين ومباركة الترحيل القسري للسوريين من تركيا إلى المناطق المحتلة، وذلك في مؤشرٍ واضحٍ على رضى واشنطن بمخططات أنقرة وسياساتها في المناطق السورية المحتلة.
لكن الغموضَ في الموقف الأمريكي أو تماهيه مع المخططات التركية في الشمال السوري، لا يُلغي بحسب مختصين في الشأن السوري، حقيقةَ مسؤولية الاحتلال التركي المباشرة عن المجازر والجرائم والانتهاكات التي يرتكبها هو أو الفصائل الإرهابية التابعة في المناطق المحتلة، وهو ما تؤكده تقاريرُ منظماتٍ حقوقيةٍ مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، التي تؤكد أن تركيا بوصفها قوةَ احتلالٍ في تلك المناطق، تتحمل المسؤولية عمّا يجري هناك.
ولقيت العقوباتُ الأمريكية على الفصيلين الإرهابيين وقادتهما في عفرين ترحيباً وإشادةً شعبيةً في سوريا، وسط مطالباتٍ بزيادة الإجراءات العِقابية وتوسيعها لتشمل كافةَ الفصائل، ومحاسبة المتورطين في ارتكاب الفظائع بحق المدنيين، بمن فيهم المسؤولون الأتراك، فهل ستنحاز واشنطن للقوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بهذا الأمر، أم أنها ستسمر في موقفها الذي يُعد متواطئاً ومتماهياً مع أجندات أنقرة.
