طريقٌ عاثر من بدايته …هكذا يبدو مسار التوافقات السياسية بين الأطراف العراقية، ففي كل مرة يحمل البيت السياسي معه الصراع نفسه، وذلك إثر مشاكل بين الفرقاء، تتعلق بآلية اختيار رؤساء الحكومات وتقاسم الكعكة السياسية، وَفقاً لمقاساتها ومصالحها دون أخذ مصلحة البلاد والشعب بعين الاعتبار.
ومن هذه الصراعات صراع البيت الشيعي المتمثل بالكتلة الصدرية مع الإطار التنسيقي، إثر الخلاف على أحقية كل منهما بتشكيل الحكومة، وميل الإطار إلى تسمية محمد السوداني رئيساً للحكومة، الأمر الذي أثار حفيظة التيار وأدى إلى تفاقم الشقاق والانتقال إلى الشارع عبر اعتصامات لكلا الجانبين، فضلاً عن انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية برمتها.
خطوة الكتلة الصدرية وانسحابها من العملية السياسية رغم فوزها بأغلبية عدد مقاعد البرلمان في الانتخابات المبكرة التي جرت في 10 أكتوبر / تشرين الأول 2021، توحي بأنها مجرد مناورة سياسية تمت بالاتفاق مع حلفائها في تحالف إنقاذ وطن الذين أبدوا احترامهم لقرار الصدر، والاستعداد لاحتمال حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، وأيضاً وضع قوى الإطار التنسيقي في مواجهة مع الشارع، وذلك بحسب مراقبين للشأن العراقي.
وما زال الصراع محتدماً بين القادة العراقيين، حيث اتجهت الكتل السياسية بشكل متسارع إلى تشكيل تحالف سياسي واسع حمل اسم تحالف إدارة الدولة الذي ضم جميع الكتل المتخاصمة دون التيار الصدري والذي أخذ على عاتقه دعم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
وبسبب المواقف المناهضة، شهد تحالف إدارة الدولة أيضاً توتراً واضحاً، وذلك بسبب مطالبة القوى المنضوية داخله بتنفيذ مطالب وشروط عرفت باسم “ورقة المطالب”، تعهد بها الإطار التنسيقي خلال مفاوضات تشكيل حكومة السوداني، مقابل أن يصوّت التحالف على الحكومة.
وفي خضم الصراع العميق بين الفرقاء السياسيين تؤشر العملية السياسية إلى حقيقة انعدام القاسم المشترك بين جميع أحزابه وكتله، وأن الحل في الصراع السياسي لا يمكن إلا بتنازل الأطراف عن مواقفها تجاه بعضها بعضاً.
الخلافات العراقية لم تقف عند البيت الشيعي فقط، بل ظهرت أيضاً بين المكونين السني والشيعي، وذلك في أعلى سلطتين بالبلاد هما التشريعية والتنفيذية، بعد أن اتهم الحلبوسي السوداني بعدم تنفيذ وعوده التي قدمها له قبل أن يتولى منصبه، وعرقلة الإطار التنسيقي التمدد السياسي والشعبي لرئيس مجلس النواب، فيما اتهم السوداني الأخير بالتدخل في شؤون السلطة التنفيذية من خلال تعطيل تشريع قانون الموازنة المالية الثلاثية.
الخلافات العراقية البينية لا تكاد تنتهي، إذ ما تزال على أشدها بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، حيث مثلت المادة مئة وأربعين من الدستور العراقي والخاصة بحل ملف المناطق المتنازع عليها بين الجانبين وملف النفط واستحقاقات إقليم كردستان من الموازنة المالية العامة، أبرز نقاط الخلاف بين بغداد وأربيل.
ومع مرور نحو 9 أشهر على تأليف حكومة السوداني، يطمح مسؤولون كرد إلى إيفاء السوداني بتعهداته حيال ما يعتبرونه استحقاقاً لشعب إقليم كردستان، فيما يرى آخرون أن بعض القوى داخل الإطار التنسيقي تدفع إلى تمييع مطالب الكرد والمماطلة في تكرار سيناريو حكومة نوري المالكي السابقة.
