سياساتٌ مقنّعةٌ يتبعها رئيس النظام التركي رجب أردوغان، لا يبدو أنها ستعيد ما فقده من شعبيته المهزومة، التي بالكاد تخطّى بها الانتخابات السابقة، وذلك بعدما أغرقَ البلاد بأزمةٍ اقتصاديةٍ غير مسبوقة، فبات يحاول استرداد ما يمكن إنقاذُه، في محاولةٍ يائسةٍ لإعادة تعويم نفسه من جديد.
ولإحياء طموحاتٍ أكل الدهر عليها وشرب، أجرى أردوغان جولةً في بعض دول الخليج، هي السعودية وقطر والإمارات، استمرت ثلاثة أيام، تخلّلها توقيعُ اتفاقياتٍ اقتصاديةٍ في محاولةٍ لإصلاح ما أفسدته سياسته في اقتصاد البلاد.
بين اقتصادٍ مُتعب وتضخّمٍ وانهيارٍ لليرة يحاول أردوغان استغلال هذه الأزمات ليكسب مَوطِئ قدمٍ في دول الخليج تلك، ما أثار تساؤلاتٍ حول المآرب الحقيقية التي يريد تحقيقها.
ورغم ما تمخّضت عنه جولته من اتفاقياتٍ اقتصاديةٍ ومذكرات تفاهم، إلا أن مُراقبين أكدوا أن هناك خطوطاً حُمر، رسمتها الدول الغربية بين النظام التركي والدول العربية لا يمكن لأنقرة تجاوزها مهما حاولت أن توسع من علاقاتها، وتفترض ألا يتعارضَ هذا التقارب مع السياسات والمصالح الغربية في المنطقة.
ولعل أبرز الخطوط الحمر، تراجُعُ تركيا عن سياساتها السابقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية، وألّا تقف بوجه القضايا العربية بل أن تساندها وتدعمها دون تدخلٍ مباشر، كما أن لدول الخليج، وخاصةً السعودية والإمارات، حساسيةً كبيرةً حيال مثل هذا التدخل.
مراقبون أشاروا إلى أن أردوغان يسعى لاستعادة نفوذ تركيا في المنطقة من خلال البوابة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، لأنه لا يستطيع أن يفرض نفوذَه بالقوة في تلك المنطقة، لاصطدامه مع قوىً عسكريةٍ وسياسيةٍ واقتصادية تجعله أمام خياراتٍ مَحدودةٍ ومَرسومةٍ مُسبقًا.
من جهةٍ أخرى يرى محللون سياسيون أن الدول الخليجية تجد في التقارب التركي، مَخرجاً لها من أزماتٍ هي من وضعت نفسها فيه، كالسعودية التي قدمت تنازلاتٍ كبيرة، مقابل إسدال الستار على قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول. أما الإمارات فهي غيرُ بعيدةٍ عن الفلك السعودي وتبحث هي الأخرى عن طرد أعدائها الإخوان من تركيا، فيما كانت قطر على الدوام، قاعدةً عسكريةً كبيرةً لأنقرة تهدد بها جيرانها العرب، خاصةً بعد المقاطعة العربية لها، كما كانت بمثابة خزانِ المال لتنفيذ مخططات وسياسات مشتركة وإثارة الفتن في سوريا ومصر وليبيا والسودان والصومال ومناطقَ أخرى حول العالم.
