رغم اختلاف عالم البشر عن عالم الطيور، إلا أن هناك تقاطع في بعض التصرفات بشكل أو بآخر، فبعض الطيور لها مواسم هجرة معروفة، لا تحيد عن قواعدها قيد أنملة، ولا تخترق قوانينها، ولبعض البشر هجرة، لكن بلا قواعد واضحة، وبلا قوانين تنظمها.
الطيور تميل للهجرة إلى المناطق المعتدلة في فصل الربيع، للاستفادة قدر الإمكان من العناصر التي تعتمد عليها في نظامها الغذائي، إلا أنها تعود أدراجها مع قدوم فصل الشتاء، مع نقص تلك العناصر، وتدني درجات الحرارة، التي تكون مرتفعة في الجنوب.
أما البشر فمع توفّر سبل الحياة الكريمة في الدول الأوربية المتواجدة في نصف الكرة الشمالي، يسعو ن للهجرة إليها من بلادهم الفقيرة، والمفتقرة لأبسط مقومات الحياة الآدمية، لكن دون خطط للعودة إليها مهما ينتظرهم من عذاب ومصير مجهول على طريق الوصول إلى ما يرونه الحلم المنشود.
الفقر، والخدمات المتردية في “دول الجنوب” إلى جانب تدني الممارسات الديمقراطية في الحياة السياسية والحياة اليومية، وكذلك انعدام الحريات بنسبة متفرقة، كلها أسباب مشتركة تدفع سكان تلك الدول، لخوض غمار المجهول، واجتياز حدود عدة دول، بتكاليف مالية باهظة، قبل الوصول إلى أوروبا.
وكألعاب الفيديو، فإن الخطوة الأخيرة قبل الفوز باللعبة تعد الأصعب، وهذا حال المهاجرين الذين ينعتون بأنهم يمارسون هجرة غير شرعية، الخطوة الأخيرة لمعظم هؤلاء المهاجرين هي البحر، فعليهم التكدس في مراكب مطاطية أو خشبية في أفضل الأحوال، وانتظار المعجزة بالوصول إلى الطرف الآخر من البحر، حيث يحلمون بتأسيس حياة جديدة، بعيدة عن كل ما عانوه في الطريق، وبعيدة كل البعد عن كل ما عاشوه في وطنهم.
دول الاتحاد الأوروبي التي تعد مقصداً لهؤلاء المهاجرين، بدأت مع العشرية الثانية من الألفية الجديدة بفرض شروط أشبه بالقيود، وفق وصف منظمات حقوقية ودولية على استقبال اللاجئين، ما جعلها في مرمى انتقادات واتهامات تلك المنظمات في ملف حقوق الإنسان.
اجتماع الاتحاد الاوربي
ومع تزايد موجات الهجرة، في ظل الحروب الدائرة في الشرق الأوسط، والبلدان الإفريقية، بدأ الاتحاد الأوروبي بعقد اتفاقات أقرب ما تكون إلى صفقات مع دول حوض المتوسط، تمنح من خلالها الأموال لتلك الدول في سبيل منع المهاجرين الخروج من أراضيها، ولنا في تركيا قبل سنوات، وتونس اليوم، خير مثال على ذلك.
في ملف الهجرة غير الشرعية، الكل متهم، والكل يدعي المثالية.
الرئيس التونسي قيس سعيّد ادعى في حزيران/ يونيو الفائت، أن بلاده لن تكون حارساً للحدود، في إشارة إلى أن تونس لن تمنع الهجرة نحو أوروبا، قبل أن يغير رأيه فيما بعد ويؤكد أنه لن يسمح لبلاده أن تتحول معبراً نحو القارة الأوروبية، مع تلقيه وعوداً من بروكسل بتلقي دعم مالي يقدر بـ 900 مليون دولار، تحصل عليها تونس خلال السنوات التالية، في مقابل جهودها للحد من عمليات الهجرة التي تنطلق من شواطئها.
أما رئيس النظام التركي رجب أردوغان فطريقة إدارته لملف المهاجرين مميزة، طبعاً بالمعنى السلبي للكلمة وفق منظمات حقوقية، أما تعاطيه مع الملف فحدث ولا حرج، فهو يستعمل اللاجئين لابتزاز أوروبا في كل حين، وكلما حاولت أوروبا انتقاد سياساته الداخلية القائمة على قمع الحريات واضطهاد المعارضين، والخارجية المبنية على التوسع والتعدي على حقوق دول الجوار، لوّح بفتح الحدود للسماح بمرور المهاجرين، رغم أنه يحصل سنوياً على ملايين الدولارات كدعم من الاتحاد الأوروبي لتأمين حياة كريمة للاجئين الموجودين في تركيا.
مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل، وصف في تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، دول الاتحاد الأوروبي في إحدى المناسبات، بأنها حديقة، وهي أفضل مزيج من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي، وأضاف بأن بقية العالم ليس حديقة تماماً، وأغلب بقية العالم هو أدغال، وربما تغزو الأدغال الحديقة، محذراً بأن على البستانيين أن يحموا الحديقة ببناء الأسوار العالية لمنع الأدغال، إلا أن الأسوار العالية لن تكون حلاً، لأن الأدغال لديها قدرة هائلة على النمو.
تصريحات بوريل هذه كأنها جاءت تجسيداً لمشهد حدث قبل أشهر من كلامه، ففي حزيران/ يونيو العام الفائت، وعلى السياج الحدودي بين إسبانيا والمغرب، فقد أكثر من عشرين مهاجراً حياتهم على يد قوات الأمن الإسبانية والمغربية، بعد محاولة قرابة 2000 من المهاجرين اجتياز السياج الحدودي بين البلدين، ولتطوى فيما بعد صفحة الحادثة من قبل السلطات في مدريد والرباط، رغم دعوات حقوقية بفتح تحقيق مستقل يعيد لذوي الضحايا العدالة.
تعدد المتهمين، والمتاجرين بقضية المهاجرين، لا يخلي مسؤولية حكام الدول التي قدموا منها، فتمسكهم بالسلطة، وصرف معظم ميزانية الدولة على التسليح، وتجاهل خطط التنمية، وتوفير فرص عمل للشباب، إلى جانب تدني مستوى التعليم، وعدم تطويره، كلها مقومات وأسباب تدفع الآلاف بل الملايين لامتطاء جواد الهجرة، الذي ربما يكون له في الغربة كبوة، وربما تكون له صولات وجولات.
ولو أنفق الاتحاد الأوروبي الأموال التي يمنحها لدول العبور، على برامج تنمية في الدول التي تصدر المهاجرين، وإقامة مشاريع استراتيجية فيها، ربما لتغير مفهوم العالم للهجرة، ولربما لم يكن سيسعى إليها أحد كما هو الحال الآن، فالأفضل دائماً أن تحل المشكلة من جذورها، وليس من فروعها.
