مرة أخرى يكشف النظام التركي حقيقة أطماعه باحتلال الأراضي السورية، واستعادة إرث الإمبراطورية العثمانية الاستعماري، وفقاً لمبادئ ما يسمى الميثاق الملي، الذي أقرته تركيا قبل أكثر من مئة عام، في محاولةٍ لاستعادة الأراضي التي كانت تحتلها في كلٍّ من سوريا والعراق، وبعض جزر بحر إيجه والبحر المتوسط.

فبعد أشهرٍ قليلة من دعوة ياسين أقطاي مستشار رئيس النظام التركي رجب أردوغان لاحتلال مدينة حلب السورية، بحجة إعادة ملايين اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا إليها، أعاد وزير الداخلية سليمان صويلو، التأكيد على التوجّه الاحتلالي للنظام التركي، وخاصة ما يتعلّق منه بمدينة حلب، حيث صرّح صويلو لقناة تلفزيونية قبل أيّام، أنّ حلب تقع ضمن حدود ما أسماه الميثاق الوطني في إشارةٍ إلى ما يعرف بالميثاق الملي.

تصريحات صويلو حول احتلال حلب وغيرها من المناطق السورية ليست الأولى من نوعها، فقد علّق على مسألة منح الجنسية التركية لآلاف اللاجئين السوريين ومعظمهم من حلب أوائل عام ألفين وتسعة عشر، بالقول إن اثنين وستين في المئة من اللاجئين السوريين بتركيا جاؤوا من أراضي حدود الميثاق الملي، معتبراً أن ذلك يخولهم الأحقية في أن يصبحوا أتراكاً، وهو ما كشف التوجه الرسمي لنظام حزب العدالة والتنمية، الذي لا يعترف بحدود تركيا المحددة باتفاقية لوزان عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وثلاثةٍ وعشرين.

وقبل صويلو وأقطاي أصبح مصطلح الميثاق الملي يحظى بحضورٍ كبير في تصريحات مسؤولي النظام التركي والمحسوبين عليه، بعدما بدأ رئيس النظام رجب أردوغان التطرّق له بشكلٍ معلن منذ عام ألفين وستة عشر، حينما رفضت الحكومة العراقية مشاركة تركيا في عملية تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، حيث قال أردوغان، إن الموصل كانت لتركيا، مضيفاً أنّ على الحكومة العراقية قراءة الميثاق الملي ليفهموا ما تعنيه الموصل لتركيا، لتتداول بعد ذلك صحفٌ تركية خريطة الميثاق الملي، التي ضمّت إلى تركيا أجزاءً واسعة من سوريا والعراق، بالإضافة لأجزاءٍ من أرمينيا، وإيران، وجورجيا، واليونان، وبلغاريا.

أولى الخطوات العملية في محاولة إعادة احتلال مناطق الميثاق الملي بدأت مع فتح النظام التركي الحدود أمام إرهابيي داعش لنشر الفوضى في كلٍّ من سوريا والعراق، بالتزامن مع احتلال تركيا مناطق جرابلس والراعي والباب وعفرين، وصولاً إلى احتلال كلٍّ من رأس العين سري كانيه وتل أبيض كري سبي شمال سوريا، وتهجير سكان تلك المناطق، التي قال أردوغان عام ألفين وثمانية عشر إنها كانت ضمن حدود الميثاق الملي.
أما الخطوات الأخرى لتحقيق هذا المخطط فتمثلت بإنشاء مؤسّسات حكومية في المناطق المحتلة على نمط الموجودة بتركيا، وتشكيل سلطاتٍ محلية ومحاكمَ وخدماتٍ بريدية، ومراكزَ تعليمية تركية، في وقتٍ بدأت الدالات تظهر باللغة التركية على الطرق، كما أن وكالات الأنباء ووسائل الإعلام التركية الناطقة بالعربية، تطلق أسماءً تركية على مدنٍ وقرىً سورية، كإطلاق اسم “بايربوجاق” على جبل التركمان بريف اللاذقية، واسم “جوبان باي” على بلدة الراعي، في إطار سياسة تتريك ممنهجة في تلك المناطق، التي شهدت عمليات تغيير ديمغرافي كبيرة، خدمة لتلك المخططات.
لكن مخاطر ه
ذا التوجّه الاستعماري الجديد للنظام التركي تحت اسم الميثاق الملي، أخذت تتفاقم على نحوٍ تصاعديٍّ مع استمرار احتلال المناطق السورية والتهديد باحتلال المزيد منها، وصولاً إلى احتلال إقليم كردستان والموصل ومناطقَ عراقية أخرى مشمولة بالمخطط الملي، وخاصة مع استمرار الوجود العسكري لجيش النظام التركي بزخم كبير في قلب تلك المناطق، دون أن تحرك الحكومة العراقية ساكناً لإنهاء هذا التواجد، ووقف الاعتداءات المتكررة على السيادة العراقية، إلى جانب غياب أي دورٍ عربيٍّ أو دوليٍّ يمكن أن يسهم في لجم الخطر التركي، الذي بات مستشرياً في سوريا والعراق وليبيا والصومال والسودان، وصولاً إلى أرمينيا وقبرص واليونان.
إعداد وتحرير: ضياء التمر
#قناة_اليوم
