من رَحمِ المعاناة يولد الأمل .. مقولةٌ تُجسّد حقيقةَ الشعوب المُضطهدة، ومن بينها الشعبُ الكردي الذي تعرّض لمختلف أنواع الاضطهاد طيلةَ تاريخه الغارق في القِدم، لكنَّ إرادته لم تنكسر، وبقي صامداً أمام كافة المحاولات التي استهدفت وجودَه.
الكرد في سوريا تعرّضوا خلال فترة حكم حزب البعث لكافة أشكال القمع والتهميش، ومورِسَت بحقِّهم مُختلَف سياسات المحو الثقافي والتغيير الديموغرافي والتهجير، فمُنعت اللغةُ الكردية في المدارس والجامعات وفي الدوائر الرسمية، وتم تغيير أسماءِ القرى إلى أسماء عربية، واستُبعد الكردُ من المناصب المهمة في الدولة، وغيرها من الممارسات.

أمّا أخطر تلك السياسات فكانت عمليةَ إحصاء السكان التي قامت بها السلطات عام 1962، واستُبعد منها العديدُ من أبناء الشعب الكردي، فأصبحوا لا يملكون أوراقاً تُثبت جنسيتهم، وفقدوا أحقّيتهم في الحصول على الوظائف الحكومية، أو حتى في امتلاك منازلهم وعقاراتهم، وباتوا غرباءَ في وطنهم، يُعاملون معاملة اللاجئين والمهاجرين، بل وأسوأ.
ومن بين الخطوات الأخرى الخطيرة، والتي تندرج في إطار سياسات التغيير الديموغرافي “مشروعُ الحزام العربي” والذي بدأ تطبيقُه في سبعينيات القرن الماضي، وتضمّن إعادة توطين العرب من مناطقهم التي غمرتها مياهُ سد الفرات بمحافظتي حلب والرقة، إلى المناطق الكردية في الجزيرة السورية.
كل هذه السياسات التمييزية ضدَّ الكرد في ظل حكم حزب البعث، والتي كان الهدفُ منها إضعافَ الكرد في سوريا وقطعَ الطريق أمام أية محاولاتٍ لنيل حقوقهم المشروعة، كانت سبباً في تنامي شعورهم بالظلم، وزيادة حالة الاحتقان لديهم.

الثاني عشر من آذار كان يبدو يوماً عادياً كغيره قبل عام ألفين وأربعة، لولا أنَّ بعض الحاقدين على الشعب الكردي كانوا يُحضّرون مؤامرةً ضدَّه، مُستغلين مباراة كرة قدمٍ لتحقيق هدفهم وتنفيذ مخططهم المعادي للشعب الكردي، وخلق فتنةٍ بينهم وبين العشائر العربية في المنطقة.
بدأت القصةُ بقدوم نحو ألفي شخصٍ من جمهور فريق الفتوة من مدينة دير الزور شرقي سوريا، وطافوا في شوارع مدينة قامشلي قبل موعد المباراة مُردّدين شعاراتٍ مستفزّةً للكرد.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”dRMpo4yBCI4″]
وبحسب محللين فإن أحداثَ ملعب قامشلي تم التخطيط لها مُسبقاً وتم تنفيذُها من قبل مجموعاتٍ شوفينية، بهدف وأدِ أي حلمٍ كرديٍّ بالحصول على حقوقهم، وقطعِ الطريق أمام تطلعاتهم، أمّا سبب اختيار مدينة قامشلي لتنفيذ مثل هذا المخطط الخبيث، فلأنها تُعتبر مركز ثقل النضال الكردي في سوريا، حيث تتجمّع فيها مراكزُ الأحزاب والجمعيات الكردية وتشكّل تكتّلاً اجتماعياً وسياسياً وسكّانياً كبيراً للكرد.
لم يكن أهالي مدينة قامشلي في ذلك اليوم يُدركون حجمَ المؤامرة التي حِكيت ضدَّهم، في حين أن الطرفَ الآخر اتخذ كافةَ احتياطاته لتنفيذ جريمته مُتسلّحاً بالحقد والكراهية، أمّا قوات الحكومة التي تواجدت بكثافةٍ في الملعب وفي شوارع المدينة، فقد عمدت لاستخدام الخيار الأمني كعادتها، ولكنها استخدمته ضد طرفٍ دون الآخر.

نوايا الحكومة السورية تكشّفَت قبل المباراة، فالشرطة لم تُفتّشْ جمهورَ الفتوة الذي أدخل معه كمياتٍ كبيرةً من الحجارة والعِصِي والسكاكين إلى مدرجات الملعب، بينما تعرّض جمهور الجهاد للتفتيش الدقيق.
مخطّط الحكومةِ تقاطع مع نظرة الحقد لدى بعض الشوفينيين العرب نحو الكرد، خاصةً بعد أحداث العراق في ذلك الوقت، وكان ذلك جَلياً في الشعارات التي تم ترديدُها ضد الكرد ورموزهم الوطنية، وفي رفعهم لصور رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، الذي شهد عهدُه ارتكاب جرائمَ عديدةٍ بحق الكرد، من بينها مجازرُ الأنفال ومجزرةُ حلبجة.
الأجواء داخل الملعب لم تكن مختلفةً عمّا حدث خارجه، فقُبَيل إعلان صافرة بداية المباراة زادت حِدّة الاحتقان بين جماهير الفريقين وارتفعت وتيرةُ الشعارات ووقعت الاشتباكاتُ في المدرجات، عندما بدأ جمهور الفتوة بإلقاء الحجارة على جمهور نادي الجهاد وضربهم بالعِصِي، أمّا قوات الأمن فتدخلت بشكلٍ مُتأخرٍ عبر إطلاق الرصاص الحي باتجاه مدرجات جمهور نادي الجهاد، ما أسفر عن فقدان عددٍ منهم لحياته.
لعب الإعلام الحكومي دوراً في المؤامرة، حيث أعلنت إذاعةُ دمشق نبأ إيقاف المباراة نتيجةَ اشتباكٍ بين الجمهور، وذكرت أن ثلاثة أطفالٍ قُتلوا دهساً تحت الأقدام، وكان لهذا الخبر أثرُه البالغُ في غليان المدينة، واتّضح فيما بعد، أنّه كان خبراً كاذباً ومُلفَّقاً، بحسب مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا.
وإثر سماع أهالي المدينة لهذا الخبر الكاذب، توافدوا نحو الملعب لمعرفة مصير أبنائِهم وأقاربهم، لكنَّ قوات الأمن لم تسمح لهم بالدخول، وسط تعالي أصوات الشِجار والصُراخ والأعيرة النارية التي كانت تَصدرُ من داخل الملعب.

وتصاعد الغليان الشعبي بعد أن وصل محافظ الحسكة سليم كبول إلى المكان، حيث أمر بإطلاق الرصاص الحي على الجماهير المحتشدةِ، ويُقال بأنه بدأ بإطلاق النار من مسدّسه الشخصي على المدنيين حيث سقط عددٌ من القتلى والجرحى.
نتيجةَ إطلاق الرصاص الحي من قبل رجال الأمن، سقط عددٌ من الضحايا من جمهور نادي الجهاد ومن أهالي مدينة قامشلي الذين توافدوا إلى الملعب، فامتدت التظاهراتُ إلى عموم المدينة، التي لم تنمْ ليلتَها، نتيجةَ عمليات الكرِّ والفرِّ بين المتظاهرين ورجال الأمن والشرطة، وحملات الاعتقال والمداهمات العشوائية.
في اليوم التالي خرج الآلاف من أهالي قامشلي لتشييع الضحايا، لكنَّ قوات الأمن تدخلت مطالبةً بنزع الأعلام الكردية عن الجثامين، وعندما رفض المُشيعون تلك المطالب بدأت قوى الأمن مجدداً بإطلاق النار، في الهواء بدايةً ومن ثَمَّ على المُشيّعين، فسقط عددٌ آخرُ من الضحايا.
من هنا بدأت الانتفاضة التي عمّت مُختلَف المناطق الكردية من قامشلي إلى عامودا والدرباسية وتربه سبيه وديريك وسري كانيه والحسكة وكوباني وعفرين وغيرها، وحتى بعض أحياء مدينة حلب وجامعتها والعاصمة دمشق، كما امتدت المظاهراتُ لتشملَ مدن إقليم كردستان وتركيا وإيران وأوروبا.

لم تكن ِانتفاضةُ الثاني عشر من آذار مارس عام ألفين وأربعة، حَدَثاً عادياً في المشهد الكردي السوري، بل كانت بمثابة ثورةٍ شعبية، زلزلَت عرش السلطة في دمشق وكسرت حاجز الخوف لدى الشعب الكردي، وأثبتت بأنهم قادرون على تغيير واقعهم، إن توفّرت لديهم الإرادة وتوحّدوا.
اليوم وبعد مرور تسعةَ عشر عاماً، يُحيي الكرد هذا الحدث التاريخي، بمناطق شمال وشرق سوريا، التي تعيش فيها كافّة المكونات في حالةٍ من السلام والتعايش المشترك، ولسانُ حالِهِم يقول، إن سوريا هي لكل السوريين وإن الأزمةَ السورية يمكن حلُّها عبر الحوار الوطني الشامل، الذي لا يستثني أحداً، وعلى أُسُسِ الديمقراطية واللامركزية بعيداً عن احتكار السلطة والاستبداد.
