بعد الحرب العالمية الأولى، عصفت بالعالم أزمات عديدة على مدار القرن الماضي والعقدين الأولين من الألفية الثالثة، ولعل أشهرها كانت أزمة الكساد العظيم 1929التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية ووصلت تأثيرها إلى دول العالم أجمع.
وما أن لملمت الدول خيباتها الاقتصادية، جاءت الحرب العالمية الثانية مخلفة اقتصادات أكثر إنهاكاً مما مضى، ودول شبه مدمرة، وضحايا بالملايين، ما أثر على اليد العاملة في الدول التي خاضت الحرب لسنوات.
وبعد أن طويت صفحة الحرب، بدأ صراع جديد عرف بالحرب الباردة، بين معسكرين شرقي اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وآخر غربي رأسمالي بقيادة أمريكا، صراع كانت أبرز ملامحه سباق التسلح النووي بين البلدين، إلى جانب تشكل تحالفات عسكرية كحلف شمال الأطلسي “الناتو” والحلف المضاد له حلف وارسو.
مضت الأيام هكذا، مع تخوف عالمي من اندلاع حرب نووية بين واشنطن وموسكو في ستينيات القرن الماضي خلال أزمة الصواريخ الكوبية، كما نشطت حركات التحرر في الدول المستعمرة، جنباً إلى جنب الانقلابات والحروب الأهلية التي نشطت فيها بعيد الاستقلال.
الحدث الأبرز بعد الحرب العالمية الثانية كان انفجار برجي التجارة العالمي في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، في مدينة نيويورك بأمريكا، لتشكل الأخيرة تحالفاً دولياً يهدف إلى القضاء على الإرهاب، وأطلق الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش الأبن تصريحه الشهير حين قال ” إن الدول التي ليست مع الولايات المتحدة فهي ضدها”.
وبعد حروب عديدة تحت مسمى “الحرب على الإرهاب”، جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكالعادة بدأت من أمريكا، قبل أن تشمل العالم أجمع، على غرار أزمة الكساد العظيم، ولكن بصورة أكثر شمولية، نظراً للعولمة التي كانت تحكم العالم.
وتخللت هذه الأزمات الاقتصادية والعسكرية والسياسية أزمات صحية، فكانت إنفلونزا الطيور وكذلك الخنازير وجنون البقر، إلا أنها جميعاً لم تحدث الضجة والفزع الذي أحدثته أزمة فيروس كورونا مع بدايات العام 2020 والمستمرة حتى الآن مع متحوراته.
أزمة عانت معها الدول الأمرين، فباتت شوارعها خالية، وتهالكت اقتصاداتها أكثر وأكثر، وقبل أن تستفيق من الصدمة، أتت الحرب الروسية الأوكرانية في أواخر شباط/ فبراير من العام المنصرم، لتقضي على بصيص الأمل الذي كان يبشر به تعافي بعض الاقتصادات القوية.
الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن حرباً بين دولتين، بل عدها البعض حرباً عالمية مصغرة، فارتفعت أسعار النفط والغاز، جراء العقوبات الغربية على روسيا، كما تخوفت بعض الدول على مخزوناتها من القمح، لا سيما مع ارتفاع سعره في السوق العالمية لأن روسيا وأوكرانيا تنتجان أكثر من 25 في المئة من الإنتاج العالمي.
هذا غيض من فيض مسلسل الأزمات التي هزت العالم وأشغلته خلال قرن من الزمن، أزمات أكثر المتضررين منها هم الفقراء وما يعرف بعالم الدول الثالث، فهناك الفقر نسبته عالية، وخطر انعدام الأمن الغذائي في مستويات مرتفعة، وإمكانيات حكوماتها شبه معدومة، وتنظر إلى المساعدات الإنسانية كطوق نجاة من كل ما سبق.
أزمات تفرض على المجتمع الدولي والمنظمات العالمية إيجاد قوانين تحمي الفقراء والمدنيين من بعض السياسات الفاشلة للحكومات التي تخلق أزمات عالمية، وتقدم لهم المساعدة ربما بتشكيل صندوق عالمي يعود ريعه للأكثر تضرراً في زمن الأزمات الاقتصادية والحروب والأوبئة.
