منذ الثامن والعشرين من آذار/ مارس عام 1949، وهو تاريخ اعتراف تركيا بدولة إسرائيل، استخلص معظم المراقبين بأن العلاقة بينهما لن تكون عابرة، بل ستكون استراتيجية وعميقة في شتى المجالات، لا سيما الاقتصادية منها والعسكرية.
ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن، كلما اجتمع مسؤول إسرائيلي بآخر من تركيا، كان المتضرر الوحيد من كل تلك اللقاءات هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.
لكن ما تغير فعلياً على الفلسطينيين بدأ مطلع الألفية الجديدة، مع استلام حزب العدالة والتنمية زمام الأمور في تركيا، ليخاطبهم الحزب بمعسول الكلام، ويظهر لهم عكس ما يبطن، لينخدع الفلسطينيون ومن خلفهم البعض من العالم العربي بما روّج له النظام التركي منذ ذلك الحين.
الحزب التركي ذو التوجه الإخواني، برع على مدار عقدين من الزمن بخداع العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، إذ كانت كلمات مسؤوليه خلال زياراتهم للدول العربية مليئة بمفردات تنتصر للقضية الفلسطينية.
وخلال تلك الفترة، جند النظام التركي معظم خبراءه، وأبواقه الإعلامية في المنطقة العربية، لترويج فكرة واحدة مفادها أن أردوغان هو حامي المسلمين وهو الذي باستطاعته فقط استرداد الحقوق.
ولأن الطيور على أشكالها تقع، كانت حركة حماس الفلسطينية، قرينة حزب العدالة والتنمية، في استغلال الدين لاستقطاب الجماهير، وكانت من أوائل الواقعين في شراك مصيدة النظام التركي، الذي لم تتغير علاقته الاستراتيجية مع إسرائيل قيد أنملة، رغم كل الجعجعة التي كان يحدثها في المؤتمرات.
الكل شاهد ردة فعل أردوغان حين كان رئيساً للوزراء في منتدى دافوس في كانون الثاني/ يناير 2009، كيف انسحب من المنتدى على خلفية مشادة كلامية بينه وبين الرئيس الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريس، وكيف صور نفسه بأنه نصير الفلسطينيين في غزة التي كانت تتعافى لتوها من هجوم إسرائيلي استمر ثلاثة أسابيع.
لكن أحمد داوود أوغلو وزير خارجية النظام التركي ويد أردوغان اليمنى آنذاك، كشف الكثير عن تلك الحادثة عقب خروجه من عباءة حزب العدالة والتنمية، مؤكداً أن أردوغان أرسله للاعتذار من بيريس بعد ذلك المشهد الاستعراضي بقليل، خوفاً من عواقب وخيمة قد تلحق به.
وفيما بعد، تلقف أردوغان قادة حركة حماس في الخارج، وتحولت تركيا شيئاً فشيئاً إلى الوجهة المفضلة لاستثمارات الحركة، التي كانت معظمها شركات دولية تنشط بشكل خاص في قطاع البناء، وفق صحيفة دي فيلت الألمانية.
ولأن دوام الحال من المحال، أغلق النظام التركي أبوابه في وجه حركة حماس، في ظل استدارته الكبيرة في المنطقة، إذ أن لقاء أردوغان بنظيره الإسرائيلي إسحق هيرتسوغ في آذار/ مارس الفائت، كان لا بد من أن يكون له كبش فداء.
معاملة أنقرة لحماس بعد هذا اللقاء اتخذت شكلاً آخر، وصدرت على هيئة جملة من القرارات بحق قيادات الحركة، لعل أبرزها عدم السماح لهم بالعودة إلى تركيا بعد سفرهم في مهام تنظيمية، قبل أن تدين سفارتها في إسرائيل في بيان هجوم نفذته حماس في تل أبيب، واصفة إياه بالإرهابي.
ما سبق كان غيضاً من فيض الممارسات التركية بحق الحركة، التي باتت تبحث عن مكان إقامة جديد، مع فهم قياداتها أن مدة صلاحيتهم قد انتهت لدى النظام التركي بعد استخدامهم لعدة سنوات لابتزاز إسرائيل.
حركة حماس بدأت تبحث عن مكان إقامة جديد، لكن مصر والسعودية أبوابهما الآن مغلقة تماماً في وجهها، فحماس هي ربيبة جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في كلتا الدولتين إضافة إلى الإمارات.
ولبنان فيه ما يكفيه من أزمات مالية وسياسية إلى جانب احتقان طائفي مستشرٍ في النظام السياسي هناك، والأردن أعقل من أن ترتكب قيادته خطأً آخر باحتواء فصيل فلسطيني، وما زالت أحداث أيلول الأسود حاضرة في ذاكرة الأردنيين إلى الآن.
فلم يتبق للحركة إلا سوريا، الدولة التي خرجت حماس منها في أعقاب تأييدها لمطالب الحراك الشعبي فيها.
ورغم وصف دمشق لموقف حماس آنذاك بالخيانة، إلا أنها استقبلت قبل أيام خليل الحية عضو المكتب السياسي للحركة ورئيس مكتب العلاقات العربية فيها، والأخير تنكر في حديث أمام وسائل إعلام لكافة التصريحات التي أطلقها قادة الحركة ومن ضمنهم هو نفسه، بحق الحكومة السورية خلال فترة القطيعة بينهما، مؤكداً أنها مواقف فردية.
الحركة لم تقدم مبرراً مقعناً لقرارها هذا، حتى أمام جمهورها، وتعلل صالح العاروري نائب رئيس مكتبها السياسي أن حماس لا تستطيع كشف أسباب تصرفها علناً، لأن من شأن ذلك حسب وصفه أن يضيع عليها المصالح المأمولة من إعادة العلاقة.
الحكومة السورية وحركة حماس، المعزولتان دولياً وعربياً، وجدت كل واحدة منهما في الأخرى ملاذاً ومأوىً، فحماس تبحث عن مكان إقامة جديد لتمارس نشاطها، ودمشق تبحث عن رواق تعود فيه إلى الواجهة العربية من جديد عبر نصرة مزعومة للقضية الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن الأيام المقبلة ستكون حبلى بالأحداث والتطورات في العلاقة بين الحكومة السورية وحركة حماس، فكلاهما يأمل بالاستفادة بأكبر قدر ممكن من الآخر، فيما يبقى الشعب الفلسطيني في آخر الاهتمامات، وخارج قائمة الأولويات.
