على مدى الأشهر الماضية، تحوّل الشارعُ التونسي إلى ساحة فرزٍ لتوجهاتِ الأحزاب السياسية في البلاد على خلفيّةِ المستجدات والتطورات التي حصلت نتيجةَ قراراتِ الرئيس قيس سعيّد، الذي اعتبر ذلك إصلاحاً لمؤسسات الدولة للوصول إلى الجمهورية الجديدة.
الاتحادُ العام للشغل، أكبرُ منظمةٍ نقابيةٍ في تونس لم يعارض تلكَ التطورات، بل وصفَ ما قام به سعيّد بأنه مسارٌ تصحيحيٌّ واستجابة لمطالبَ شعبية، وذلك رغم تجاهل سعيّد دعوات أمين عام الاتحاد نور الدين الطبوبي لإجراء حوارٍ وطني، لمعالجة الأزمةِ السياسية في البلاد، في حين أدان الاتحادُ بعضَ المواقف الدولية التي عبّرت عن قلقها بشأن التجربة الديمقراطية في تونس، معتبراً إيّاها تدخلاً في الشأن الداخلي.
ولم يدعُ الاتحادُ للتصويت بالموافقة أو الرفض على الاستفتاء، حيث علّل ذلك بأنه ليسَ حزباً، وأنَّ أيَّ موقفٍ سياسيٍّ سيتخذه قد يؤدي إلى انفجارٍ داخلي، مؤكداً عدم رغبته في الانحياز لأيِّ طرفٍ سياسي، تجنباً للانخراط في نزاعاتٍ تمسُّ حياده واستقلاليته، في وقتٍ يقوم تصوره على الشراكة الجامعة للقوى التونسية.
ورغم اعتبار المؤيدين لسعيّد أنَّ مقاطعةَ المعارضةِ المشاركة في الاستفتاء عائدةٌ لخوفها من الهزيمة بسبب عدم امتلاكها التأييد الشعبي، فإنَّ جميعَ الأحزابِ المعارضة والمؤيدة لسعيّد تُجمع على أن التصويتَ كان سيسفر بكل الأحوال عن المصادقة على الدستور الجديد.
مع ذلك فقد أكّدت عدّةُ أحزابٍ دعمَها للاستفتاء ودعت للتصويت عليه بنعم، كحركة الشعب”، وأحزابٍ قومية على غرار “التيار الشعبي”، و”حركة التحالف من أجل تونس”، وأحزابٍ يساريةٍ على غرار “حركة تونس إلى الأمام”، فيما شاركت أحزابٌ أخرى بالاستفتاء رغم عدم موافقتها على مشروع الدستور، بينما دعت جبهةُ الخلاص المؤلفة من خمسة أحزاب بينها حركةُ النهضة لمقاطعة الاستفتاء، واتهمت هيئةَ الانتخابات لاحقاً بالتزوير.
ووَفقاً لاستطلاعات الرأي، فإنَّ رفضَ بعض الأحزاب التونسية إصلاحاتِ سعيّد، يوازيه تأييدٌ شعبي للرئيس التونسي، يدعم إصلاحاته السياسيّةَ والاقتصادية، فيما يرى مراقبون أنَّ المرحلةَ القادمة ستكون مرحلةَ صراعٍ بين الدولة القوية وبين الأحزاب والمنظمات والجمعيات، وخاصة تلك التي لديها علاقاتٌ خارجية مثيرة للشكوك.
