تحت وطأة العنف يعيش من تبقّى من سكّان مدينة عفرين المحتلّة صراعاً لأجل البقاء، صراعاً للحفاظ على ما تبقى من الإرث الحضاري، الذي ما انفك الاحتلال التركي عبر محاولاته اليائسة من نسف تلك الحضارة وطمس هويتها، وعلى مرأىً ومسمعٍ من أنظار المجتمع الدولي والأمم المتّحدة اللذين يتشدّقان بالحديث عن حقوق الإنسان في كلّ مكان بالعالم.
منذ احتلالها عام 2018 ولا زالت، تشهد مدينة عفرين وأريافها عمليات تغيير ديمغرافي، وذلك عبر تغيير معالم المدينة وبناء المستوطنات، حيث عمد الاحتلال التركي بعد سيطرته عليها، إلى إعادة إعمار الكثير من المنازل التي دمرتها آلته الحربية ليقدمها للفصائل الإرهابية التابعة له، التي بدورها حولت معظمها إلى مقرّات عسكرية أو اتخذتها كدورِ سكنٍ لعوائلهم التي استقدموها من محافظات سورية أخرى.
ولإتمام عمليّة التغيير الديمغرافي، انتهج الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له ممارسات وانتهاكات بهدف تهجير من تبقى من الأهالي، تمثلت بالخطف والتغييب والتهجير القسري والاعتقالات، ثم إلى السرقة والنهب واستنزاف مصادر أرزاقهم، والسيطرة على أراضيهم الزراعية.
كما يضاف إلى تلك الجرائم عمليات إرهابية أخرى نفّذتها الفصائل التابعة للاحتلال، كنهب وسرقة مواقع تاريخية وأثرية كـ( عيندار، هوري، سمعان، براد، تل جنديرس )، وتخريب معالمها إذ تحوّلت معظم تلك المعالم التاريخية إلى ركام.
وفي سياق الممارسات اللاإنسانية والتي تتماشى مع مشاريع التغيير الديمغرافي، عمدت الفصائل في تموز/ يوليو الماضي إلى تجريف وتخريب مزار الشهداء في المدينة المحتلّة، دون اكتراثٍ لحرمة الموتى أو للقيم والمشاعر الإنسانية.
هذا، ولم تنجُ مدينتا تل أبيض ورأس العين المحتلتان في شمال وشرق سوريا من علميات التغيير الديمغرافي، حيث شهدت المدينتان خلال الفترة القليلة الماضية وصول عدد من عوائل الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال إليها وتوطينهم فيها بعد تهجير السكان الأصليين.
ووفقاً للقانون الدولي فإنّ الاحتلال التركي يتحمّل مسؤولياته جراء الأوضاع السائدة في المنطقة، وخاصّة جريمة التغيير الديمغرافي التي تؤدّي إلى تدهور وتبديد النسيج الأهلي عبر السياسة العدائية ووسائل الفتك والتنكيل التي ترقى إلى مستوى التطهير العرقي في تلك المناطق.
