التيه في زمن الفوضى

أبدًا لم يكن عبثًا طرح مصطلح الفوضى في هذه المرحلة من قِبل الأنظمة التي تسعى لتنفيذ أجنداتها النفعية في المنطقة على حساب الشعوب والمجتمعات. وللوصول إلى الأهداف المرسومة لا بدّ أن تكون ثمة خطط ينبغي السير وفقها حتى يمكن تحقيق ما يلزم من هذا المشروع. هذا المصطلح الذي بات جزءً من واقعنا الذي نعيشه أو تعايشنا معه رغمًا عنا، حتى الآن هو الذي يحدد مسار تفكيرنا ومقارباتنا من القضايا والمشاكل التي تعترضنا في حياتنا اليومية. ورغم كثرة التعريفات والتحليلات التي قدمت لهذا المصطلح، إلا أن معظمها لم يخرج من جوهر التنظيري والشفهي والمتداول بين بعض أفراد النخبة، ولم يتم جعله مصطلحًا مجتمعيًا يتبناه ويدركه كي يخرج منه وفق عملية توعوية فكرية تنتشله من الفوضى نحو الحياة المنظمة وفق أسس تقوم عليها.
لذا، نرى أن المعنيين بهذا المصطلح من القوى الغربية على الأكثر يتقنون بشكل جيد متى يستثمرون به ومتى يستغلونه في جعل الشعوب تائهة لا تعي ماذا يحدث أو ماذا يدور من حولها. ومن الممكن أن معرفتنا السطحية أيضًا قد لعبت دورًا لا يستهان به في أن نعيش هذه الفوضى التي ضربت كافة مناحي حياتنا وبكل تلاوينها ومستواها الفكري ومنها والحياتي.

تم إقناعنا أنها الفوضى فقط والتي لم ولن يفهمها أحد وهي تسير من غير موجه وكأن كل شيء يحدث بشكل عفوي بعيدًا عن معرفة النتائج. وهي حالة من عدم التوصل للبحث عن الأسباب التي أدت لاختيار هذا المصطلح بالتحديد للوصول إلى الهدف. ألم يكن ثمة أسلوب أو طريقة أخرى يمكن الاستعانة بها لتحقيق الهدف أم أنَّ تشتيت الانسان والمجتمع بكثير من الأحداث والوقائع والأمور وجعله لا يدرك شيئًا هو الهدف بحد ذاته كي لا يعلم ماذا يُحاك له وراء الكواليس أو من تحت الطاولة كما هو متعارف عليه.

حرب من نوع آخر تستخدم فيها كافة الأدوات والوسائل من عسكرية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية واقتصادية وجرثومية من جهة، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف اصداراتها ومسمياتها لإلهاء الشعوب ببعض البرامج الشكلية والتي ليست لها أية علاقة بجدية الفترة التي نعيشها، هي فقط لإجبار الفئة الشابة المستهدفة بالابتعاد عما يتم التخطيط له وجعله يتوه بمحتوى تلك البرامج وكأنه يجد ضالته فيها، وذلك بإخراجه من البقعة الجغرافية التي كانت سجنه الصغير وليعوم في فضاء أكبر في كل دول العالم من دون حسيب ورقيب.

هذا ما يبدو عليه المشهد أمامنا أو كما هم أرادوا أن نراه، لكن الحقيقة ربما تكون بالعكس من ذلك أيضًا إن نحن نظرنا إليها بمنظور مختلف بعض الشيء. قد تكون ثمة فوضى في حقيقة الأمر، لكنها بكل تأكيد فوضى مسيطر عليها بشكل جيد من قبل القوى الدولية والتي بيدها زمام معظم الأمور. فحينما ننظر إلى ما يحدث في سوريا أو العراق أو ليبيا وكذلك اليمن، نرى أن ليس هناك طرفين فقط يتحاربون من أجل الوصول لهدف ما. في الداخل معظم الذين يتعاركون فيما بينهم على أهداف ربما تكون سامية وحقة، إلا أن معظمهم ينفذون أجندات غير مباشرة تخدم القوى الدولية أكثر ما تخدمهم هم بالذات.
نرى أن الكل يحارب الكل وبنفس الوقت أن الكل له علاقة بشكل أو بآخر مع الطرف الآخر الذي يحاربه، يعني أن الكل لا أصدقاء ولا أعداء أو يمكن وصفهم بالأخوة الفرقاء المتصارعين على أمور هم أيضًا بعض الأحيان لا يدركون نتائجها. طبعًا، بغض النظر عما يبتغيه كل طرف من أهداف يسعى لتحقيقها.

بالرغم من الفوضى التي ضربت كل شيء تقريبًا وخاصة بعد كورونا التي عمقتها أكثر نوعًا ما، إلا أنه يمكننا التخمين بعض الشيء فيما نحن متجهين نحوه على الأقل. وهو أنه ليست هناك فوضى كما يتم تصويرها لنا، بل على العكس من ذلك أن كل شيء يسير وفق ما هو مرسوم له وأن الفوضى فقط نحن من وضعناها كقناع على رأسنا للهروب من الواقع والحقيقة التي لا نريد أن نراها. للخروج من هذه الحالة ينبغي قبل كل شيء أن نعلم أن المنطقة لا بدَّ لها أن تخرج من الحالة التي هي فيها والانفراج نحو الفضاء الواسع المتسع للكل، بعيدًا عن التكتلات القوموية العصبوية الضيقة وكذلك الدينوية المتقوقعة على ذاتها، وحتى التمسك بالقطرية التي أثبتت فشلها في عالم التطور التقني والمعلوماتي، باتت الحقيقة المجتمعية أوسع مما كنا نفكر فيه في الماضي.

الانطلاق نحو المستقبل لا يتم إلا بتغيير الكثير من المفاهيم التي كانت هي السبب في جهلنا وتخلفنا وبقاءنا نراوح في مكاننا. حينها يمكننا تحويل الفوضى إلى حالة من النظام والتنظيم الذي من خلاله نرسم ملامح مستقبلنا الذي ننشده. ما علينا فعله هو فقط الخروج من الصندوق الذي نحبس روحنا فيه لأن ما هو موجود خارج المغارة والكهف الذي كان كل حياتنا، لهو أكبر بكثير من التفكير الضيق في فكرة ما أو مسملّة كنا نعتقدها حقيقة يومًا ما.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا