الأسد.. خيار روسي أم إيراني!

اعتبر ضابط الأمن السوري السابق بهجت سليمان، أن قناة روسيا اليوم هي نسخة عن قناة الجزيرة وقناة “العبرية” ويقصد “العربية”، وكان صديقه الدرعاوي، وعضو مجلس الشعب خالد العبود، قد هدّد بوتين من غضب الأسد.
هاجمت الصحف الروسية الرئيس السوري في فترة سابقة، وفضحت فساده وفساد زوجته، في إشارة فهمها بعض المعارضين أن ساعات الرئيس السوري في السلطة باتت معدودة، قبل أن يتحدث الرئيس الروسي في لقاء مطول، حول سياسة روسيا الخارجية، ومعرّجاً على سوريا بقوله، كان يجب على الرئيس السوري أن يقوم بإصلاحات لكنه لم يفعل.
ضمن نفس السياق، تخفّى رامي مخلوف مؤخراً، رجل أعمال “مال السلطة”، وقريب الأسد، وجامع مال سوريا بسبب نفوذه ونفوذ عائلته السلطوي، ونشر بعض غسيل “الخلاف الوسخ” مع السلطة، التي يمثل أحد أطرافها، في الميديا، وهدّد الأسد واستجداه، واعتبر محللون أن الانشقاق الحاصل في العائلة السورية “المالكة” سببه، تنازع الولاء بين طرفين رئيسيين في الحكم، طرف يميل إلى إيران والآخر يميل إلى روسيا. وحاول رامي أن يركب الموجة الروسية، سيما أن والده يعيش في روسيا منذ تقليم أظافره السلطوية.
أنشأ الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، علاقات توزيع الثروة والسلطة وفق برنامج دقيق، قانون ثابت في الجوهر، مرن في الشكل، يحافظ فيه على ولاء عوائل السلطة، وعوائل المال، وداخل هذا البرنامج-القانون، نمت علاقة قوية كان جذراها عائلتي آل الأسد-وآل مخلوف. علاقة تربط نفوذ أقوى عائلتين داخل هرم السلطة الأساسي، عائلة الأسد الرئيس، وعائلة زوجته.
انتهت هذه العلاقة بوفاة زوجة مؤسس قانون النظام، وبظهور زوجة الوريث، “أسماء الأخرس” شخصية متنفذة في مركز صنع القرار، ولأن السلطة تعني فيما تعنيه، تطبيق البرنامج-القانون، يبدو واضحاً لدى “آل الأخرس” أن يحلّوا بديلاً عن “آل مخلوف”، الذين فقدوا أي مركز حقيقي لهم في السلطة-النظام، لذلك خلاف رامي مخلوف اليوم، لا يدخل ضمن صراع النفوذين الروسي والإيراني داخل القصر الجمهوري، وإنما خلاف حول تطبيق برنامج الهيمنة الذي أنشأه المؤسس، وعلى “آل مخلوف” الطرف الضعيف في العلاقة-القانون، أن يخرجوا من الصورة.
استطاعت روسيا أن “تحرّر” الأسد، فقد كان محاصراً في دمشق، وكانت قذائف ميليشيات الغوطة تهطل على العاصمة السورية كل يوم، وكان الساحل والوسط والجنوب مطوّقاً، قبل أن تحقق الترسانة العسكرية الروسية انتصاراً، وتتابع الترسانة السياسية جولات انتصاراتها لتوسيع نفوذ الأسد، لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم.
انتصر بوتين على الميليشيات السورية، بعد أن جرّب أكثر من 200 سلاح روسي في الساحة السورية، ساحة الحرب الحقيقية، والتي كان من الصعب تجريب هذه الاسلحة في مكان آخر. ووسّع دائرة نفوذه في الشرق الأوسط، وأعاد هيبة روسيا في الساحة الدولية نسبياّ، بعد أن فرضها في الشيشان وجورجيا واوسيتيا والقرم.
حصل على نافذتين مهمتين في الغرب السوري، نافذة طرطوس البحرية ونافذة حميميم الجوية. وحصل على الفوسفات السوري، ويسعى للحصول على ورقتي الغاز والنفط، وغير بعيد عن ذلك حصوله على شركات الخليوي، بعد أن انتشرت شركاته الاقتصادية في مفاصل السلطة السورية، وفق تدرّج هادئ. وعقود إعادة الإعمار في متناول اليد العسكرية، ويبقى الكثير من العمل لديه في الأروقة الدولية لتنفيذ جوانبها الاقتصادية.
لكن بهجت سليمان والعبود يغردان خارج الواقع. رجلان يعملان اليوم في المربع الإعلامي الطرفي، من المربعات الأمنية للنظام السوري، يضعان روسيا في خانة الأعداء، ويحثانها على إعادة هيكلة إعلامها وجيشها، وعدم إخراج العملاق السوري من قمقمه.
وجود أكثر من حليف وشريك للنظام السوري، عامل قوة له، سيما إذا كان حجم التناقض بينهم كبيراً، كما هي الحال اليوم في حليفيه الروسي والإيراني، فهو على الأقل سيكون أمام خيارين، إلا إذا اتفق الخصمان عليه، وهذا يبدو عصياً على التطبيق اليوم، بسبب اختلاف الأجندة الروسية الإيرانية، وديناميكة الاحتمالات، وأولوية المصالح وثانوية القيم. فإذا كانت غاية النظام السوري هي الحفاظ على ذاته، أمام كل الخيارات المتاحة، والاحتمالات الواردة، والتحالفات الحرجة التي سيخوضها، تبدو الأرض والسيادة والإصلاح والتغيير وكل المصطلحات داخل هذه الدلالات المضنية، قابلة للمدّ والتقصير.

الكاتب: طالب إبراهيم

قد يعجبك ايضا