حرب أردوغان على كورونا

على غرار كل حكومات العالم أعلنت الحكومة التركية الحرب على جائحة كورونا. بعض معاركها شابها تخبط يعكس اضطرابا واضحا في إدارة الأزمة، ليس فقط بسبب الانتشار الكبير والسريع للفايروس، وإنما أيضا لأن الرئيس رجب طيب أردوغان كان يحارب الوباء، ويحارب به خصومه السياسيين في الداخل والخارج.

تماما كما تعامل أردوغان مع الإرهاب. حارب الإرهابيين وحارب بهم، وصنع من تهمة الإرهاب سيفا مسلولا على رقاب المعارضة في الداخل والخارج. ظن السلطان أن الوباء سيكون هو البعبع الجديد الذي يمكن من خلاله استعادة ثقة الشارع، وتبديد كل المكتسبات التي حققها المعارضون له خلال العامين الماضيين.

أردوغان يريد أن يستغل الجائحة ليصرف نظر الأتراك عن كل ما فعله هو وحزبه، حزب العدالة والتنمية، خلال السنوات الأربع الماضية. يريد أن يقايض شعبه على الخلاص من الوباء وتداعياته مقابل غفران كل الهفوات والأخطاء التي وقعوا بها، منذ أن حولوا البلاد إلى حكم الفرد مطلق الصلاحيات والسلطات.

حتى الأسبوع الأول من شهر أبريل بقي السلطان يفاخر بعجز الوباء عن النفاذ إلى بلاده. وعندما تبين لاحقا أن العجز يكمن في رصد الفايروس وليس في دخوله، بدأ يروج لفكرة أن تركيا تمتلك نظاما صحيا لا يقهر ويستطيع احتواء الوباء بكل تداعياته، حتى أنها تستطيع مساعدة دول تقهقرت أمام الجائحة.

جرت الرياح عكس ما تشتهي سفن السلطان، وبات النظام الصحي التركي يئن تحت وطأة الأعداد المتزايدة من المصابين بكورونا. تحولت البلاد إلى بؤرة للوباء تجاوزت الصين في إصاباتها، ودنت من الدول الخمس الأكثر ابتلاء بجائحة كورونا عالميا، وهنا برزت الحاجة لإجراءات العزل والإغلاق على غرار دول كثيرة.

تقول المعارضة التركية إن أردوغان تجاهل مطالب رؤساء البلديات بفرض إجراءات إغلاق مبكرة على الولايات. وبقي يظن أن البلاد منيعة أمام احتمالات التمدد الأفقي للمرض، حتى باغته وانتشر كما النار في الهشيم. حينها فقط أدرك أن حساباته ليست دقيقة ولا خيار سوى حظر التجول.

الخوف من الكارثة دفع بحكومة أردوغان لاعتماد حظر تجول أفقد الأتراك صوابهم، وقادهم نحو الاقتتال من أجل توفير الطعام والشراب. لم يكن أمامهم سوى ساعة واحدة ليشتروا حاجياتهم ويعودوا إلى منازلهم قبل أن تغلق شوارعهم. والفضيحة تكفلت بها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

في قرارات حظر التجول التي صدرت بعد العاشر من أبريل تدارك النظام التركي الخطأ وبات يعلم الشعب برغبته في إغلاق البلاد قبل أيام. ولكن ذلك لم يكفِ لاستعادة ثقة الشارع بقدرته على إدارة الأزمة، وذلك لثلاثة أسباب. الأول هو أن الأتراك باتوا يتوقعون الأسوأ بعد فشل تقديرات الحكومة للفترة الأولى من انتشار المرض. والثاني أن الوباء ألقى بظلاله على الاقتصاد المتعب أصلا بسبب مغامرات أردوغان. والثالث هو أن المعارضة التركية، بتخطيط ومن دون تخطيط، قررت مواجهة أردوغان في حربه غير المعلنة عليها بحجة مكافحته لوباء كورونا في البلاد.

كل هذا الرعب الذي نشره الوباء حول العالم لم يبدد خوف السلطان من المعارضة. لم يشغله عن ملاحقة رموزها وشخوصها وملاحقة كل كلمة وفعل يصدر حتى عن المؤيدين لها. لم يجرؤ على الإفراج عن عشرات الآلاف من معتقلي الرأي والسياسيين الذين عارضوه، لم يجرؤ حتى على استعجال محاكمتهم. كان الخيار الأسهل بالنسبة له هو تركهم يواجهون خطر العدوى بالفايروس والموت داخل السجون. بحجة أنهم إرهابيون ومصيرهم هو الهلاك سواء بالمرض أو بأحكام الإعدام.

في زمن كورونا بات أمام أردوغان فرصة لاعتقال المعارضة لأسباب أخرى غير تهمة الإرهاب. يمكن له اليوم أن يعتقلهم لنشر الشائعات الاستفزازية كما يسميها وزير الداخلية سليمان صويلو. كما يمكن له أيضا إغلاق حساباتهم البنكية وملاحقتهم بتهمة جمع تبرعات غير قانونية لمساعدة الأسر المتضررة من الوباء. فقط أردوغان وحكومته هم من يحق لهم جمع التبرعات من الناس لهذا الغرض.

ربما يبتهل أردوغان شكرا للوباء اليوم. فهو ليس فقط منحه أدوات جديدة للتضييق على المعارضة وملاحقتها، وإنما أتاح له التهرب من استحقاقات كان قاب قوسين أو أدنى من المساءلة فيها. كل الأزمات الاقتصادية التي كانت تضغط على البلاد بسبب مغامراته، يمكن اليوم أن تدرج تحت ميزانيات الوباء.

لأردوغان أحلامه السياسية والحزبية والاقتصادية في حربه باستخدام كورونا وليس في حربه على كورونا. هذه الأحلام تعكس ممارسات وأحكام استبدادية تحت حماية البرلمان المتماهي مع السلطان. مديرة قسم تركيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش، إيما سنكلير ويب، تقول إن الأمر لا يتعلق بالسلطة. فنظام أردوغان المركزي لا حاجة له إلى المزيد من السلطة. ربما أصابت الخبيرة في مجال حقوق الإنسان بتقدير حاجة أردوغان للسلطة، ولكن هل اقتنع طاغية يوما بكفاية ما لديه.

الكاتب والصحفي السوري: بهاء العوام

المصدر: العرب

 

قد يعجبك ايضا