أخطر الإبادات ضد الإيزيديين

منذ القرن التاسع؛ يتعرض الكرد الإيزيديين لشتى أنواع الإبادات؛ التي تستهدف هذه الهوية التاريخية العريقة الممتدة لآلاف السنوات؛ بهدف القضاء عليها وكذلك صهرها لأسباب كثيرة أهمها تتجلى في القضاء على هويتهم التي لها تاريخ عريق في منطقة ميزوبوتاميا وعموم الشرق الأوسط.
كل ما تم من مجازر وإبادات والتي تركت وراءها الآلاف من الضحايا؛ لم تستطع حتى الآن بحكم الأصالة والعراقة الموجودة لدى الإيزيديين القضاء على وجودهم وهويتهم. وما هجوم داعش الأخير والذي يمثل رقم ٧٣ في سجل الإبادات ضدهم إلا من أجل تصفية ما تبقى منهم وكذلك للقضاء على تلك الموروثات التاريخية والعادات والهوية التي تواجدت منذ آلاف السنوات في شنكال والمنطقة عموماً. لذا؛ فإن التخلي عن هذه الموروثات والابتعاد عن المنطقة وبخاصة شنكال والتي لها قيمة معنوية ودينية وثقافية عريقة لدى أهلنا الإيزيديين هو الهدف الأول منذ بدايات الإبادات حتى يومنا هذا؛ حيث الحقبة العثمانية التي تمت فيها أغلب الإبادات المذكورة كانت لأهداف الصهر من جوانبه كافة بما فيها الدينية أيضاً؛ ولم توفر ما سبقها ولا ما لحقها من إبادات خيارات التركيز على هذا الهدف بحد ذاته.
تشتت الكرد الإيزيديين مقارنة مع حالات الثبات في مناطقهم هو جزء كبير من تسهيل عمليات الإبادة ضدهم؛ كذلك تحقيق للأهداف المباشرة للقوى التي مارست ولا تزال تمارس الإبادات بحقهم. من هنا؛ فإن هوية الكرد الإيزيديين بكافة جوانبها الدينية، الثقافية، التاريخية ووجودهم مرهون قطعاً بالشكل الذي يتم الحفاظ على خصوصية مناطقهم المعروفة منذ آلاف السنوات ومنها شنكال المقدسة.
ما حدث من إبادات بأشكالها كافة كانت مؤلمة ولا يمكن بأي من الأشكال أن تزول من تاريخ الإيزيديين خاصة تلك التي تمت على يد مرتزقة داعش الإرهابي عام ٢٠١٤ والتي رغم فظاعتها وما نجم عنها من ويلات، إلا أن الإبادة الأخطر والأفظع هي تلك التي تقوم على إبعاد الإيزيديين من مناطقهم وديارهم بحيث يتم القضاء على وجودهم. هذه هي الإبادة الأخطر والتي لا يمكن الانتصار عليها بسهولة في ظل تكامل كافة جوانبها المتعلقة بالنفي والإبعاد بما فيها التسهيلات التي تم تقديمها من العديد من الدول لقبول هجرة الإيزيديين وإظهارهم لما يسمونه بحرصهم على منع الإبادات بحقهم. لكن؛ عملياً يساهمون بهذه التسهيلات في إبادة أخطر من تلك التي حدثت من خلال فصل الكرد الإيزيديين عن أواصرهم التاريخية وأرضهم.
بالشتات والتوزع في عموم العالم؛ يصبح الحضور الإيزيدي ضعيفاً بغض النظر عن جملة النشاطات التي تتم للتأكيد على هذه الهوية والانتماء. لذا؛ من الضروري العودة لشنكال وعدم التفريط بها وبجميع المرافق والعتبات التاريخية وتنظيم الذات بالشكل الذي يحافظ على كل الخصوصيات الموجودة لدى الإيزيديين. هذا التوجه والإصرار هو جزء كبير وهام في إفشال حملات الإبادة عليهم وأيضاً ضمان عدم انحلال تاريخهم ووجودهم عبر الزمن؛ حيث من تسلسل الأحداث والشكل الذي تم بحقهم كل هذه الإبادات يمكن استخلاص نتائج دقيقة؛ غياب آليات العودة لمناطقهم التاريخية وتنظيمهم بالشكل المطلوب حتماً؛ سيجعلهم أمام إبادات جديدة في ظل عدم تحقيق الأهداف المطلوبة حتى الآن ضدهم بالشكل الكامل.
لذا؛ العودة والتمسك والبناء من أجل الحفاظ على كل هذه السمات لدى الإيزيديين هو خيار الدفاع الأقوى ضد هذه الممارسات وضد الإبادة الأكثر خطورة ألا وهي إفراغ المناطق الأصيلة من الإيزيديين وإبعادهم عن كل ما يدل على حقوقهم؛ حيث بالغياب تبقى خيارات فضح الإبادات السابقة بحاجة للقوة. ولكن؛ بالوجود والثبات والإصرار والتنظيم يتم فضح كل الممارسات والتوجهات وأشكال الإبادات المخفية كما الحال في الإبعاد عن مدلولات الهوية والتاريخ لدى أهلنا الإيزيديين.

الكاتب: آلدار خليل

قد يعجبك ايضا