عفرين قضيّة بذاتها

يشقّ على واحدنا وضع الانتهاكات التي تقوم بها الفصائل العميلة لتركيا في عفرين داخل مقال رأي أو في سياق تحقيق صحفيّ أو بانوراما سنويّة، ذلك أن هذه الانتهاكات باتت تفيض عن الأخبار والمقالات والتحقيقات، علاوةً على أن كتابة حصيلة الأحداث تجعل من أسماء الضحايا، على كثرتها، أرقاماً عارية أو جداول تقسّم حالات الانتهاكات ما بين قتل وخطف وتهجير وابتزاز مالي واعتداءات جنسية وسرقة وحرق للأشجار ونهب للآثار وسطو على المحال والبيوت ونبش للقبور وتحطيم للأضرحة. بكلمات أخرى، مسألة رصد الانتهاكات بحاجة إلى فريق عريض يؤسس لمنصّة حقوقية، توثّق الجرائم بحساسية بالغة، وتروي الأحداث كما هي، شيء أشبه بـ “بيوت الذاكرة” أو لجان الحقيقة والعدالة والمساءلة كالتي وجدت في حالات مشابهة لما تشهده عفرين منذ أكثر من عامين.

الكلفة التي تكبّدتها مناطق عفرين لم تتكبّدها مناطق سوريّة أخرى، ذلك أن التضامن الضعيف الذي تحوزه عفرين يكاد يكون مقتصراً على أبنائها في الشتات فحسب، أحد أسباب ضعف التضامن مرجوٌّ إلى حالة اللاجدوى التي يشعر بها معظم الداعمين لقضية عفرين من بقية الكرد، ومردّ الأمر أن بقية المناطق الكردية باتت هي الأخرى تحت خطّ النار التركيّ مُهددةً بالحرب والتدمير والاحتلال وفق ما حل في المنطقة الممتدة من سرى كانيه- رأس العين إلى تل أبيض، وفي أفضل الأحوال يكاد التضامن يقتصر على كرد سوريا دون سواهم إذ إن المعارضة في شقها الائتلافي متورّطة وضالعة في مسار الجريمة المستمرّة هناك، فيما لا يحتسب النظام السوريّ عفرين جزءاً حيوياً يخدم كرسيّ الحكم أو يحول دون سقوط النظام أو بقائه، والحال، عفرين هي لزوم ما لا يلزم بالنسبة إلى دمشق. وبطبيعة الحال فإن خسارة كرد سوريا، أو لنقل أهل عفرين، لشرط التضامن الوطني يضعهم في مربّع العزلة ومجابهة الواقع بمفردهم، إذ لا تكاد تسمع أصوات سوريّة، من خارج الأوساط الكردية، تخصص جزءاً من حديثها عن عفرين بالمقارنة مع مناطق سورية أخرى.

شيّدت تركيا عبر الجماعات الهمجية الموالية لها منهج حكم خاص بعفرين، لا مكان فيه للكرد، نظام فصل عنصري، ونظام إخضاع وإذلال يطاول السكّان المحليين، وهو نظام في جانب ما منه يهدف إلى إفراغ المنطقة وتغيير هويّتها الإثنية لصالح احتلال “احلاليّ” يعمد على توطين العنصر العربيّ مكان الكرديّ، هذا الجانب الوحشيّ والطبعة غير الموجودة في عالم الاحتلالات المعاصرة يعقّد المشهد بدرجة أكبر، ذلك أن تركيا لا تتعامل بوصفها قوّة احتلال متواجدة على الأرض وأنها نصّبت حكومة محلّية موالية من غير سكان المنطقة لإدارتها، بل تتعامل وكأنها دخلت في عملية عسكرية انتهت بانتصارها العسكري وأن الأمور في عفرين تسير وفق مشيئة سوريّة، وبذا تتبرّم وتتهرّب تركيا من كل مسؤولية قانونية ملقاة على عاتقها باعتبارها الطرف المحتلّ والمشرف على سير الأوضاع في هذه المنطقة، متجاوزة بذلك القانون الدوليّ في البنود التي تتناول موضوعات الاحتلال.

على أن تهرّب تركيا من مسؤوليتها لما يجري في عفرين لا يعفيها عن المساءلة، وبذا تصبح مهمّة التوثيق والتفتيش عن الحقيقة أصعب على اعتبار أن الأوامر التي تسطّرها أنقرة تكاد تكون شفهية، أو لنقل أنه لا يمكن العثور على التعميمات والقرارات التي تصدر عن الحكومة أو الجيش والاستخبارات التركية هناك، بل على العكس تلتصق الجرائم والانتهاكات بالميليشيات العميلة التي تتبنّى كل ما يحصل في عفرين ما يجعل تتبّع الحقيقية مهمّة شبه مستحيلة، ليتركّز السؤال حول ما إذا كانت تركيا قادرة على وقف الانتهاكات اليومية أم أن الأمر خرج عن سيطرتها؟ بطبيعة الحال يمكن لتركيا وقف كل ما يحدث هناك بإيماءة واحدة من جهاز الاستخبارات المشرف على تخريب وتدمير عفرين.

خلال شهر آذار الفائت سجّل المرصد السوري لحقوق الإنسان في حصيلة مقتضبة نحو /43/ حالة اعتقال واختطاف في مدينة عفرين وجنديرس وشران ومعبطلي ودائماً عبر تلفيق تهمة “التخابر مع الوحدات الكردية”، علاوةً على بيع أملاك الكرد بضوء أخضر تركيّ، وترقيم المحال التجارية بغية فرض اتاوات على ملّاكها الكرد من قبل “الجبهة الشامية”، وتجريف التربة في مناطق معبطلي بحثاً ونبشاً عن الآثار. شهر واحد، ربما يكون الأقل إجراماً في عفرين لكنه يفي لوصف الجحيم الأرضيّ الذي أقامته تركيا معيّة زبانية سوريين عملاء في المناطق الكردية السورية المحتلّة.

لا ينبغي لقضية عفرين أن تخبو، وهو ما يحصل في شكل جزئي لطول فترة الاحتلال. “العمليات الفدائية” التي تخوضها قوات تحرير عفرين لا تشكل فارقاً كبيراً إذ أنها تبدو مخصّصة لمنع إراحة ميليشيات “الجيش الوطني” العميلة.

إصرار ما تبقّى من مدنيين على البقاء في بيوتهم لا يشكّل عامل ثبات أبديّ في ظل البربرية والقسوة التي تطبع سلوك الفصائل المسلحة و”الشرطة العسكرية”.

غياب اسم عفرين عن الاجتماعات التركية الروسية يزيد الشكوك حول المصير القريب للمنطقة.

المعنى المراد قوله هنا إن من بين الخيارات المتبقيّة هو الإصرار على تعقّب القتلة والمجرمين عبر لجان الحقيقة والعدالة والتي إن نجحت في تدوين وتبويب وفهرسة كل ما يجري في عفرين فإن الإيمان بتحقق شيء من العدالة يصبح أقرب للتصوّر والتحقّق، أو كما يسمّى في الأدبيات السياسية “فضح” ممارسات وجرائم الاحتلال وعملائه هو طريق فرعية وإضافية نحو الخلاص.

لا يعني الكلام أعلاه أن مراصد وجماعات حقوقية محلّية ووطنية ادخرت جهداً في فضح الانتهاكات الحاصلة في عفرين.

عفرين وإن مثّلت إحدى فصول الجحيمين السوري والكرديّ إلا أنها تبقى رغم كل شيء “قضية” بحد ذاتها، في ظل موت القضايا الوطنية الأخرى.

الكاتب: شورش درويش 

قد يعجبك ايضا