عقودٌ من الرغبة في الثورة والتعطُّشِ للحرية، انفجرت مع عنفوان جيل الثمانينات، الذي مثّل فئةَ الشباب اليافعة في تلك المرحلة، فكانت انتفاضةُ الكرد ضد ممارسات البعث، التي انطلقت من قامشلي وامتدت موجتُها إلى كل مناطق وجود المكون الكردي في سوري، بتاريخ الثاني عشر من آذار من عام ألفين وأربعة.

يقولُ أحد الصحفيين الكرد، زانا عمر، من أبناء مدينة قامشلي شمال شرق سوريا، ممّن عاصرَ الانتفاضة، إنّ حكومةَ البعث كانت تخطِّط لمؤامرةٍ من أجل تحويل هذه المدينة التي تحمل رمزيةً للشعب الكردي في سوريا، إلى منطقةٍ منكوبة، عبر مهاجمة الوجود الكردي فيها، خاصةً وأن سقوط نظام البعث في العراق زادَ من حنق البعث في سوريا حينها، فكلّف أجهزةَ مخابراته في الحسكة، بتدبير مؤامرةٍ لإشعال فتنةٍ كردية عربية.

زانا عمر ـ صحفي كردي
في قامشلي، اليوم وبعدَ مرور عشرين عاماً على انتفاضة الثاني عشر من آذار الكردية، الكثير من أبناء المكوّن العربي في منطقة دير الزور شمال شرق سوريا دفعتهم الظروفُ الأمنية للاستقرار في قامشلي، من بينهم طبيبُ الأطفال الدكتور محمد الخلوف، الذي يصف وجودَهُ في قامشلي انتصاراً للانتفاضة، وهزيمةً للمؤامرة المحاكة ضد ما اعتبرها فسيفساء منطقة الجزيرة، في إشارةٍ إلى التنوع الثقافي والديني والطائفي الغني للمنطقة.

د. محمد الخلوف ـ سياسي مستقل
من محاولةِ خلق فتنةٍ إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ كردية ضد ممارسات السلطة الحاكمة، إليكم تفاصيل الثاني عشر من آذار عام 2004، الذي شهد صورته المصغّرة وأحداثَهُ الأولى ميدانُ مَلعب شهداء الثاني عشر من آذار، الذي كان يسمّى آنذاك، الملعب البلدي في قامشلي.
على أرض هذا الملعب نُظّمت في ذلك اليوم مباراةُ كرة قدمٍ في الدوري السوري، بين فريق نادي الفتوة القادمِ من دير الزور مع جماهيره المشجعة، والذين كانوا من المكون العربي بطبيعة الحال، وفريق نادي الجهاد في قامشلي ومشجعيه الذين كان غالبيتهم من المكون الكردي، بطبيعة الحال أيضاً.
وفيما كان استعدادُ الفريق والجمهور الكردي لمتابعة مباراةٍ ودّيّةٍ بين فريقَي المنطقتين، تفاجأ الكرد بالتعرض للتفتيش قبل الولوج إلى مدرجات الملعب من قبل قوات أمن سلطات البعث، التي أعفت بالمقابل جماهيرَ نادي الفتوة من إجراء التفتيش.

خلال المباراة ظهرت أحداث شغبٍ من قبل مُحرّضين من السلطات بين صفوف مشجعي الفتوة، حملوا صورَ الرئيس المخلوع لنظام البعث في العراق آنذاك، صدام حسين، وسرعان ما تحوّلت إلى صداماتٍ مُباشرة بين جمهورَي الفريقين بالحجارة والأسلحة البيضاء.
على إثر ذلك تدخّلت مباشرةً قوات الأمن، التي أعدّت نفسها لذلك الحدث عن سابقِ إصرارٍ وتعمّد، فباشرت بإطلاق الرصاص مُستهدفةً الجمهور الكردي الذي راح ضحيته على الفور ما لا يقلُّ عن ستة أكراد.
هنا أزاح الشعب الكردي اللثامَ عن فاهِهِ وفجّر غضبَ عقودٍ من القمع ومحاولات صهر الهوية، ارتكبتها بحقه سلطاتُ البعث من جرائم تغييرٍ ديمغرافي وتنفيذ خطة الحزام العربي، إلى تعريب أسماء المناطق والقرى الكردية، وليس انتهاءً بتجريد مئات آلاف الكرد من الجنسية السورية، ومنعهم من التحدث بلغتهم الأم.

عبير حصاف إحدى ناشطات الانتفاضة تعتبر أن الثاني عشر من آذار كان بإمكانه أن يكونَ بداية ربيعِ الشعوب في الشرق الأوسط، لما لمس من جراحاتٍ شعبيةٍ تسببت بها الأجهزة الأمنية القمعية، فصرخ الشعب الكردي في وجه آلته بروحٍ تلقائيةٍ هائجة ضد العنف قائلةً “كفى!”

عبير حصاف ـ عضو منسقية مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا
في اليوم التالي من أحداث المباراة خرج الشعبُ الكردي في قامشلي لتشييع أبنائه ضحايا الملعب، بمظاهراتٍ شعبيةٍ غاضبة وعارمة، منددةٍ بممارسات الأمن، سرعان ما استجاب لها الشعب الكردي في نواحي عامودا والدرباسية ورأس العين/سريه كانيه، إضافةً إلى ديريك وتربه سبية، وكذلك مناطق كوباني وعفرين وأحياء الأشرفية والشيخ مقصود ذات الغالبية الكردية في حلب، حتى الأحياء الكردية في دمشق العاصمة المركزية لسلطة البعث، انتفضت رغمَ استهدافها جميعاً من قبل أمن البعث واستخباراته بالاعتقال والرصاص.
تاريخ نشوء سوريا كدولةٍ قائمةٍ بذاتها يشهد للكرد مشاركةَ آبائهم وأجدادهم في تأسيسها بقيادتهم، إلى جانب باقي مكونات الشعب السوري لثوراتِ ردعِ الانتداب الفرنسي لسوريا ولبنان، وكذلك ثورات مقاومة الانتداب، وصولاً إلى مرحلة استقلال سوريا، لكن انقلاب البعث على السلطة واتباعه سياسةَ الاستبداد والعروبة أنهك الشعبَ بكل أطيافه.
عبد الكريم صاروخان الإداري في مؤتمر الإسلام الديمقراطي يقول، إن الانتفاضة أثبتت أن قضيةَ الشعب الكردي حيةٌ لا تموت، وأدحضت التصريحاتِ الزائفةَ للرئيس السوري بشار الأسد حينها، عندما نفى وجودَ الشعب الكردي كمكون أساسي في سوريا.

عبد الكريم صاروخان ـ عضو إداري في مؤتمر الإسلام الديمقراطي
مع استمرار الشعب الكردي في سوريا بالتظاهر، رغم استسهال سلطات البعث إطلاقَ الرصاص على المحتجين العُزَّل، وتنفيذه الاعتقالات العشوائية التي طالت المئات من الشبان الكرد، وتطبيق الحصارِ لشهورٍ عديدة على الأحياء والمناطق الكردية، انتقل البعث إلى سياسة تسليح القُرى والعشائر العربية المتاخمة للقرى الكردية، لكن العشائرَ العربية رفضت، تقديراً للتاريخ المشترك والسلام بينها وبين العشائر الكردية.
زانا عمر ـ صحفي كردي
بدوره يقول الدكتور محمد الخلوف إن مكونات المنطقة تجاوزت اختبارَ اللُّحمة المجتمعية بنجاح، مُشيراً إلى أن المستفيدين حينها من حدوث فتنةٍ عربيةٍ كردية، حتى لو اقتصرت على أن تكون ديريةً كردية، كثيرون، لكنهم فشلوا بل أعطوا للمكونات دفعاً لسد الثغرات والتكاتف، والدليل اليوم، اجتماع القوات الكردية والعربية والسريانية تحت رايةٍ واحدةٍ هي قوات سوريا الديمقراطية.
د. محمد الخلوف ـ سياسي مستقل
اعتبرت عبير حصاف أن ثورة المرأة الكردية في شمال وشرق سوريا اليوم هي امتدادٌ وتقدمٌ لمشاركتها في الانتفاضة، وفي المسيرات الاحتجاجية خلال السنوات التالية، عندما لاحق البعثُ شخصياتٍ كرديةً مناضلة، واعتقل واغتال بعضاً من أبرزها.
عبير حصاف ـ عضو منسقية مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا
ناشطو الانتفاضة يتّفقون على أنها كانت مكسباً كبيراً للشعب الكردي، قدّم من خلالها رسالةً واضحةً وصريحة للعالم أجمع، أنه موجودٌ بقوةٍ ومتكاتف وأنّ أيَّ مُصابٍ يَحُلُّ بالشعب في ديريك فإن الكردي في عفرين يتألّم لأجله وكذلك الأمر بالنسبة إلى باقي المناطق.
ورغم الزخم الكبير للانتفاضة إلا أنها لم تحصّل حقوقاً كثيرةً من السلطات ويرجع السيد طلال محمد رئيس حزب السلام الديمقراطي ذلك إلى التعتيم الإعلامي وعفوية الحَراك الكردي الذي لم تتبنّاه أو تنظّمه الأحزاب السياسية الكردية آنذاك كما يجب، واقتصر على دور تلك الأحزاب في تهدئة الأوضاع وحقن الدماء الكردية.

طلال محمد ـ رئيس حزب السلام الديمقراطي
ترتبت على الانتفاضة نتائجُ كثيرةٌ من بينها أن الكرد باشروا بتنظيم صفوفهم في الاتحادات أو المؤسسات التي ما زالت تعمل حتى هذه اللحظة، سواءٌ الثقافية منها أو السياسية.
ودون أدنى شك فإن هذه الانتفاضة زادت من حَنق البعث الذي فشل في مخططه، فدفع ضريبةَ ذلك العديدُ من الطلاب الجامعيين الكرد، الذين تم فصلهم ومنعهم من إتمام تعليمهم، إلى جانب إصدار السلطات في أعوامِ ما بعد الانتفاضة مراسيمَ بقصد الانتقام، منها عدم تسجيل أي أملاكٍ خاصةٍ للكرد باسمهم في المؤسسات الرسمية للدولة، وإصدار قوانين متعلّقة بتعقيد عملية بيع وشراء الكردي للعقارات.
بالنسبة لسما بكداش الناطقة باسم حزب الاتحاد الديمقراطي فإن الانتفاضة كان بإمكانها أن تثمر بإنجازاتٍ كبيرة، لكن غياب التنظيم والمشروع البديل للشعب الكردي أجّل تحقيق تلك النتائج إلى مرحلة اليوم، حيث شُيّدت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

سما بكداش ـ ناطقة باسم حزب الاتحاد الديمقراطي
عبير حصاف تعتبر ثورة التاسع عشر عام 2012 مؤشراً تاريخياً واضحاً لتوظيف همّة الشعب الكردي ورغبته في المبادرة بإحداث التغيير، الذي عبر عنه في انتفاضة ألفين وأربعة، فكان للكرد الدور الطليعي في المنطقة لتنظيم الحياة بشمال وشرق سوريا.
عبير حصاف أكدت أن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة كانت السباقة في التصدي للهجوم الإرهابي على سري كانيه عام ألفين وثلاثة عشر، وأن الكرد أول من بادر لسد الفراغ الأمني الحاصل مع انسحاب الحكومة السورية من المنطقة، مؤكدةً أن التاريخ الكردي تاريخٌ ثوروي لا ينفصل، ومعتبرةً في الوقت ذاته أن أهم ما يحتاجه الكرد في هذه المرحلة هو ترتيب البيت الكردي سياسياً.
عبير حصاف ـ عضو منسقية مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا
منذ قيام الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تُقام سنوياً في الثاني عشر من آذار مارس، تاريخ انطلاق انتفاضة قامشلي، مباراةٌ وديةٌ في ملعب شهداء الثاني عشر من آذار بين فريق نادي الفتوة من دير الزور وفريق الجهاد في قامشلي، يصفها الناشطون المشاركون معنا في هذا الملف أنها خيرُ دليلٍ على قلب موازين العنصرية التي خَطّط لها البعث، وأن هذا الملعب أصبح محلَّ انعطافٍ تاريخي نحو ارتقاء علاقات الشعوب والعشائر والمكونات هنا في شمال وشرق سوريا.
