في خطوة تأتي بعد أشهر من الجمود والتوتر الميداني، دخل المسار السوري-الإسرائيلي مرحلة جديدة مع استئناف الاتصالات السياسية والأمنية برعاية أمريكية. وشهد الأردن في الثالث والعشرين من آب/أغسطس الجاري اجتماعاً رفيع المستوى جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين، في مسعى لإعادة تفعيل قنوات الحوار وبحث ترتيبات أمنية من شأنها الحد من التصعيد وتعزيز الاستقرار على الحدود.
ويأتي هذا الانفتاح السياسي في وقت لا تزال فيه التوترات الميدانية قائمة، إذ تزامن مع ضربات إسرائيلية داخل الأراضي السورية، كان أبرزها استهداف قاعدة أبو الظهور في الثامن عشر من آب/أغسطس، إلى جانب قصف طال مناطق في الجنوب السوري في الثاني والعشرين من آب/أغسطس.
وفي ظل استمرار هذه التطورات، لا تبدو المفاوضات الحالية مساراً نحو سلام شامل بقدر ما تمثل محاولة لإدارة التوتر واحتواء التصعيد، والحيلولة دون انزلاقه إلى مواجهة أوسع.
وتتركز المباحثات حالياً على خفض التصعيد، عبر وقف أو تقليص الضربات الإسرائيلية والحد من العمليات والاعتقالات في الجنوب السوري، إلى جانب إنشاء آليات لمنع سوء التفاهم والحوادث الميدانية، وإحياء مسار التفاوض للتوصل إلى اتفاق أمني.
وفي المقابل، تطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، والعودة إلى الترتيبات التي كانت قائمة قبل ذلك، مع إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما تؤكد سوريا تمسكها بحقها في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره، وتحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يتوافق مع مصالحها وسيادتها.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا تتحول سوريا إلى مصدر تهديد عسكري على حدودها وتطالب بضبط القدرات العسكرية السورية والحد من نقل الأسلحة إضافة إلى تقليص الوجود العسكري التركي وهنا برز العامل التركي كأحد أبرز التعقيدات بعدما تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب داخل الساحة السورية فيما تعمل واشنطن على آلية لفض الاشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
وتبقى العقدة الأساسية في المفاوضات مرتبطة بآليات التنفيذ، وليس بمجرد صياغة اتفاق على الورق، إذ إن غياب الثقة يجعل أي حادث أمني قابلاً لإعادة التصعيد. ولا يزال الخلاف قائماً حول حجم الانسحاب الإسرائيلي، وطبيعة الانتشار العسكري السوري، والجهة المخولة بتحديد وقوع أي خرق للاتفاق، وآليات التعامل معه ومعالجته.
ورغم ذلك، تدفع عدة عوامل باتجاه التفاهم، أبرزها رغبة دمشق بتحقيق الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وعدم رغبة إسرائيل في الانخراط في جبهة طويلة الأمد مع سوريا، إلى جانب الدور الأمريكي المباشر ووجود قنوات اتصال أمنية قائمة بين الجانبين. لذلك، تبدو فرص التوصل إلى تفاهم أمني مرحلي أعلى بكثير من فرص التوصل إلى اتفاق سلام شامل في المرحلة الحالية.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً، بحسب مراقبين، يتمثل في اتفاق تدريجي يبدأ بخفض التصعيد وتثبيت قنوات الاتصال، ثم إنشاء آليات للتحقق من الحوادث واحتوائها، ووضع ترتيبات أمنية في الجنوب، وصولاً إلى انسحاب إسرائيلي جزئي أو تدريجي، وربما تحديث الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
