في خِضم مشهدٍ سوري معقد يهدده الانقسام ويغلب عليه التوتر، ينبعث أملٌ جديد في أفق الحل السياسي، مع ترقب حوارٍ مُنتظرٍ يجمع بين ممثلي الشعب الكردي والحكومة السورية الانتقالية، والذي يصفه كثيرون من المحللين باللقاء الحساس، الذي لا يمثل خطوةً تكتيكية، بل محطّةً فارقة قد ترسم خارطةَ طريقٍ نحو سوريا ديمقراطيةٍ تعددية، لا مركزيةٍ جامعةٍ تكفل حقوق الجميع وتعيد بناء الثقة بين السوريين.
ففي سياقٍ سياسي مليء بالتحديات، وخاصة فيما يتعلق بقضية الشعب الكردي، بدأت تتبلورُ محاولات التفاوض بين ممثلي الكرد والحكومة في دمشق، على أمل أن تتمخّض الاجتماعات عن توافقٍ يمكن أن يكون نواةً لترتيب البيت الداخلي في سوريا… هذا البلد الذي عانى ما عاناه طوال أربعة عشر عامًا، وآنَ له أن يُلملم جراحه بمشاركة جميع أبنائه من مختلف الأعراق والطوائف.
البداية كانت في قامشلي حيث عُقد في الرابع من حزيران/يونيو الجاري اجتماعٌ بحضور القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، للاتفاق على تشكيل الوفد الكردي الموحد، للحوار مع الإدارة السورية الانتقالية، برئاسة بروين يوسف الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، ومحمد إسماعيل رئيس المجلس الوطني الكردي، وعضوية سبعةٍ آخرين، هم آلدار خليل، ريحان لوقو، أحمد سليمان، سليمان أوسو، صلاح درويش، نصر الدين إبراهيم، وفيصل يوسف، على أن تتم تسمية عضوٍ آخر في وقتٍ لاحق.
ومن المقرر أن يعمل الوفد الكردي على طرح رؤيته السياسية وتهيئة الأرضية لبناء سوريا ديمقراطيةٍ لامركزية، استناداً إلى الوثيقة التي أقرَّها كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، الذي عُقد في مدينة قامشلي في السابع والعشرين من نيسان أبريل الماضي، والتي دعت إلى توحيد المناطق الكردية، ضمن وحدةٍ سياسية إدارية متكاملة، في إطار سوريا اتحادية، إلى جانب الاعتراف بالوجود القومي للكرد، بصفته شعباً أصيلاً يعيش على أرضه التاريخية، وضمان حقوقه السياسية والثقافية والإدارية والدستورية، بما في ذلك اعتمادُ اللغة الكردية لغةً رسمية، إلى جانب العربية، وإحداث مؤسساتٍ تعليميةٍ وثقافية كردية.
وتصب هذه المطالب في خدمة عملية الانتقال السياسي الشامل في سوريا، والتي يَشترط المجتمعُ الدولي البدءَ بها كبادرةِ حُسن نية مع الداخل والخارج على حدٍّ سواء، وإقامة نظامٍ ديمقراطي، ولا نُذيع سرًا حين نقول، إن تعقيدات الملف السوري خصوصاً القضية الكردية، لا يمكن حلها ضمن النظام المركزي الحالي.
وفي وقتٍ سابق، التقى وفد الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، مع وفدٍ من الحكومة في دمشق، بهدف متابعة تطبيق اتفاقية العاشر من آذار مارس، على أرض الواقع…هذه الاتفاقية التي وقّع عليها قائدُ قسد مظلوم عبدي، ورئيسُ المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، لترسيخ مسار الحوار، بما يخدم السوريين ومصلحتهم بالدرجة الأولى.
والسؤال الذي يبقى عالقاً هنا… هل يكون الحوارُ القائم بين الوفد الكردي ووفد الإدارة الذاتية من جهة، والحكومة السورية من جهةٍ أخرى، بدايةَ فصلٍ جديدٍ يجسد تفاهمًا حقيقيًا، وحلاً سياسيًا يشكل نقطةَ انطلاقٍ لحل باقي القضايا التي تنتظر الحل، أم أن هناك أطرافاً خارجية ستقف حائلاً أمام تطلعات السوريين، وستواصل التدخل في شؤونهم خدمةً لأجنداتها الخاصة؟
