على وقع مجزرة الكلية الحربية في حمص وسط سوريا أوائل تشرين الأول / أكتوبر الجاري، بدأت قوات الحكومة السورية وحليفتها روسيا هجماتٍ صاروخيةً وجويةً مكثفة على مناطقَ متفرقةٍ من محافظة إدلب شمال غربي البلاد، المعقل الرئيس لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وفصائل مسلحة تابعة للاحتلال التركي، مخلفةً عشرات الضحايا المدنيين ودماراً واسعاً في الممتلكات العامة والخاصة.
وكان هجوم جوي بطائرات مسيرة مجهولة الهوية قد ضربت في الخامس من هذا الشهر مراسم حفل تخرج ضباط حضره المئات من ذوي المتخرجين ووزير الدفاع السوري وقادة عسكريون بالقوات الحكومية، في الكلية الحربية بمدينة حمص، ما خلف مئات الضحايا بين قتيل وجريح، بينهم عشرات المدنيين، فيما لم تتبنَّ أي جهة مسؤوليتها عن الاستهداف، لكن دمشق وجهت أصابع الاتهام للفصائل الإرهابية في إدلب.
واتهمت قوات الحكومة السورية، “التنظيمات الإرهابية المسلحة المدعومة من أطراف دولية معروفة” بالوقوف وراء هجوم الكلية الحربية، ووصفته بـ”العمل الإجرامي غير المسبوق”، متوعدة بالرد القوي والحازم على تلك التنظيمات “أينما وجدت”، ومحاسبة المخططين والمنفذين لهذا الهجوم. وأعلنت دمشق الحداد العام وتنكيس الأعلام لمدة 3 أيام.
إدلب تحت النار والضحايا بالعشرات
مئات الغارات الجوية الروسية والضربات المدفعية والصاروخية للقوات الحكومية، استهدفت مناطقَ عدة في محافظة إدلب، بينها مركزُ المدينة وأريحا وجسر الشغور وبلدات جبل الزاوية، إلى جانب مناطقَ أخرى بريف حلب الغربي وأرياف حماة واللاذقية، وذلك في إطار هجماتٍ مكثفةٍ وعنيفة تشير فيما يبدو لمرحلةٍ جديدة في هذه المنطقة، التي تأوي ملايين النازحين.
المرصد السوري لحقوق الإنسان قال في تقريرٍ منشور على موقعه الرسمي، إنّ الهجمات الحكومية الدامية على مدينة إدلب وريفها، أسفرت عن فقدان ما يزيد عن أربعين مدنياً لحياتهم، بينهم أكثر من عشرين طفلاً وخمس نساء، وإصابة ما يربو على ستين آخرين، خلال الفترة الممتدة من الخامس من تشرين الأول / أكتوبر وحتى الحادي عشر من ذات الشهر.

ومنذ مطلع العام تصاعدت الهجمات العسكرية المتبادلة بين قوات الحكومة السورية وحلفائها مدعومة بالطيران الروسي من جهة، والفصائل الموالية لتركيا وعلى رأسها هيئة تحرير الشام من جهة ثانية، في محاور القتال بأرياف إدلب وحلب واللاذقية وحماة، تزامناً مع بدء موسكو ولاحقاً طهران، بإجراء لقاءات بين مسؤولين حكوميين سوريين وأتراك، بهدف تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة.
وأودى التصعيد العسكري شمال غربي سوريا منذ بدء هذا العام بحياة أكثر من خمسمئة وعشرين شخصاً، بينهم عشرات المدنيين، وإصابة ما يزيد على ثلاثمئة وتسعين آخرين، بحسب المرصد السوري، فيما ترجح المنظمة الحقوقية إمكانية تزايد هذه الأرقام على خلفية استمرار الهجمات المتصاعدة بين طرفي الصراع.
وزارة الدفاع السورية، أكدت من جانبها شن سلسلة ضرباتٍ على مناطق عدة بشمال غربي البلاد، حيث تنتشر هيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لأنقرة، وأشارت إلى أنّ الهجمات التي شارك فيها سلاح الجو الروسي استهدفت مواقعَ التنظيمات الإرهابية بريفي إدلب وحلب، وأسفرت عن خسائرَ بشريةٍ كبيرة بصفوف تلك التنظيمات، وسط تشكيكٍ من قبل منظماتٍ حقوقية ومعارضين لدمشق، في صحة الرواية الحكومية.
موقف تركيا من التصعيد
تصعيدٌ عسكريٌ لافت قابله الاحتلال التركي الذي ينشر جنوده في عشرات النقاط بمنطقة إدلب والشمال الغربي عموماً، بتحركاتٍ مُريبة، تمثلت بإدخال عدة أرتالٍ عسكرية باتجاه ريفَي حلب الغربي وجنوب إدلب، تزامناً مع تصعيد الفصائل المرتبطة به لهجماتها ضد القوات الحكومية على مختلف المحاور واستهداف مدينتَي حمص وحلب، على وجه الخصوص بالطائرات المسيرة، وفقا لمصادر إعلامية مطلعة.
وترفض تركيا أي تصعيد من دمشق وموسكو في مناطق نفوذها شمال غربي سوريا باعتباره يضر بأهدافها المريبة هناك، بحسب الصحفي السوري ضياء التمر، الذي استبعد أي علاقة بين تصاعد الهجمات الحكومية والهجوم الدامي على الكلية الحربية في حمص.
وقال التمر في تصريحات لموقع اليوم إنّ “هدف التصعيد الحالي الضغط على تركيا لإلزام الفصائل الإرهابية وجبهة النصرة على احترام التفاهمات المتعلقة باتفاق موسكو عام 2020 حول إدلب، وطرد تلك الفصائل إلى شمالي الطريق الدولي (إم – فور)، مضيفاً، “أنقرة غير راضية بهذه الضغوط الروسية، لكنها مضطرة لتجاهلها حالياً مقابل الصمت الروسي عن التصعيد التركي في شمال وشرق سوريا”.
وتوصلت موسكو وأنقرة في آذار / مارس من العام 2020 لاتفاق حول وقف إطلاق نار في محافظة إدلب، على خلفية ضربات متبادلة بين قوات الحكومة السورية وجيش الاحتلال التركي، وتعهد فيه الأخير بإخراج هيئة تحرير الشام من المحافظة، وفتح الطريق الدولي ( إم – فور)، إلى جانب تسيير دوريات تركية روسية مشتركة على جانبي الطريق.
احتمالية الهجوم البري
مراقبون للشأن السوري وخبراءُ عسكريون، اعتبروا أنّ المعطيات الحالية في محافظة إدلب من كثافةٍ للنيران وحِدّةٍ للقصف، مؤشراتٌ خطيرة على بدء مرحلةٍ جديدة هناك، في ظل تنامي الخلافات بين تركيا وروسيا على خلفية حرب أوكرانيا، وتزايد التوتر العسكري بين أنقرة ودمشق، فيما يبدو أنها ملامحُ لحملةٍ حكومية برية مدعومة روسياً، قد تستهدف جنوب المحافظة في أية لحظة.
ويرى الصحفي السوري سردار جوهري أنّ ارتفاع حدة الهجمات بشمال غرب سوريا، دليل على “وجود نية لقوات الحكومة السورية ومن ورائها روسيا، للتحضير لهجمات برية للسيطرة على مناطق جديدة، تنفيذاً لما تم الاتفاق عليه مع أنقرة فيما يتعلق بالطريق الدولي (إم – فور)”، مرجحاً أن تكون مجزرة الكلية الحربية، التي وجهت أصابع الاتهام فيها للفصائل التابعة لتركيا، “ذريعة لا يمكن الاستهانة بحجمها، تحاول دمشق وموسكو استغلالها للتقدم ميدانياً”.
وحذر جوهري من مخاطر إنسانية كارثية وموجات نزوح كبيرة للمدنيين في حال أي هجوم بري في المنطقة، وأضاف، “هناك توقعات بزيادة الخسائر الكبيرة في الأرواح كون هجمات قوات الحكومة السورية عادة ما تكون عشوائية بقصد وبغير قصد… هذا في حال اندلاع معارك برية وجوية مكثفة جديدة وهو أمر مرجح، وفق ما تشير المعطيات”.
وإذا ما قررت دمشق وحليفتها موسكو فعلياً البدءَ في حملةٍ برية، قد لا تكون سهلةً بكل الأحوال، وفق خبراءَ عسكريين لاعتباراتٍ تتعلق بجغرافيا المكان، وتعزيز العناصر الإرهابية لتحصيناتها في المنطقة، فإن الأمر يستدعي تحركاتٍ دوليةً عاجلة لضمان حماية المدنيين.
