على مدار عشرات السنين كان قَدَرُ الكرد في سوريا مواجهةَ سياساتٍ ظالمة، وإجراءاتٍ ذات طابعٍ عنصري وتمييز عرقي، استهدفت هويته وشكّكت في وطنيته رغم كل التضحيات التي قدّمها في سبيل الحفاظ على وحدة سوريا وحريتها.

أن تكون كردياً، لا تتوقع أن تكون مواطناً من أي درجة… في سوريا فقط عاش الكردي على أرضه التاريخية منذ مئات السنين، لكنه وجد نفسه بين ليلةٍ وضحاها مَحروماً من أبسط حقوق المواطنة… وجد نفسه ممنوعاً من الدراسة وإن حالفه الحظ وأكملها فممنوعٌ من التوظيف في مؤسسات الدولة… ممنوعٌ من التملّك وتسجيل المعاملات بالوثائق الرسمية… وقائمة الممنوعات تطول.

في الثالث والعشرين من آب أغسطس عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وستين صدر المرسوم التشريعي رقم 93 في عهد رئيس الجمهورية آنذاك ناظم القدسي، تضمّن قراراً سياسياً بإجراء إحصاءٍ استثنائي للكرد في منطقة الجزيرة، في واحدةٍ من أكثر الملفات سواداً في تاريخ سوريا الحديث.
وفعلاً نفذت السلطات السورية المخطط وأجرت الإحصاء في الخامس من تشرين الأول أكتوبر من العام نفسه، وخلال يومٍ واحدٍ فقط، تم تجريد أكثرَ من مئة وخمسين ألفاً من الجنسية، لينقسم الكرد إلى ثلاثة أقسام، الأول يحملون الجنسية، والثاني مسجلون في القيود الرسمية لكن من دون هوية، واستعيض عنها ببطاقة حمراء، وباتوا معروفين بالأجانب السوريين، أما الثالث فغير مقيّد في سجلات الأحوال المدنية وأُطلق عليهم مكتومو القيد.
المُفارقة أن بعض أفراد العائلة الواحدة انقسموا بين مواطنين “كاملي الحقوق” و”أجانب سوريين”، فقد ترى أحدهم يحمل الجنسية السورية وشقيقه لا يحمل أي جنسية… فتصور يا رعاك الله.
من نتائج ذلك الإحصاء أيضاً عدم الاعتراف بزواج من تم تجريده من الجنسية، حتى لو كان أحد الزوجين مواطناً سورياً، وبالتالي يصبح أطفاله بالتبعية مُجرّدين من الجنسية أيضاً.

منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” نقلت عن مصادرَ رسميةٍ داخل مديرية النفوس في الحسكة، أنه حتى مطلع العام 2011 كان عدد أجانب المحافظة من أصحاب البطاقات الحمراء، نحو ثلاثمئة وخمسين ألفاً.

تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية قال إن الإحصاء الاستثنائي جاء ضمن مشروع “الحزام العربي” الذي كان يهدف إلى “تعريب” المنطقة الكردية عن طريق ترحيل الكرد من مناطقهم وإسكان عشائرَ عربيةٍ فيها بهدف منع التواصل الديموغرافي بين الكرد في سوريا وتركيا والعراق.
ظل الكرد المحرومون من الجنسية على هذا الحال حتى انطلاق الحَراك الشعبي عام ألفين وأحد عشر، وقتها أصدر الرئيس السوري بشار الأسد في نيسان أبريل المرسومَ رقم “49” القاضي بمنح الجنسية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة، في محاولةٍ لثني الكرد عن المشاركة في الاحتجاجات.
بلاغٌ وزاري صدر بعد المرسوم 49 يقضي بتجنيس المكتومين أيضاً لكنهم واجهوا عراقيلَ كبيرةً وما يزال عشرات الآلاف منهم من دون جنسية حتى اللحظة.
بعض المجردين من الجنسية لم يتمّوا حتى المرحلة الإعدادية، تحت ضغط العامل النفسي، فالمستقبل مُغلقٌ ولا داعي لعناء الدراسة ما داموا ممنوعين من الحصول على الشهادة وإكمال المراحل الأخرى.
وحتى العام 2004 لم يكن للطلاب التقدّمُ إلى الجامعات بقصد الدراسة، لكن بعد هذا التاريخ اشترطت السلطاتُ لقبولهم، عدمَ منحهم وثيقة التخرج، أو حقّ التوظيف بعد إنهاء الدراسة.
من الألف للياء كان العرّاب الحقيقي لهذه المؤامرة ضد الكرد، محافظُ الحسكة حينها سعيد السيد… وهنا لا داعيَ للاستغراب مطلقاً فأن تكون مسؤولاً بسوريا وخاصةً بالمناطق الكردية، لن يُطلب منك بالتأكيد أن تتقدم بمشاريعَ وأفكارٍ تحسّن بها واقع منطقة مسؤوليتك، بل يكفي أن تقدم دراساتٍ تُرضي الحاكم… والحاكم فقط.
