في كل عام، ومع حلول الثالث عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر ترتدي مدينة عامودا شمال شرقي سوريا، ثوبها الأسود، مستذكرةً ضحايا الحريق الذي نشب في سينما المدينة، وأودى بحياة أكثر من مئتين وثمانين طفلاً لم يتجاوز عمر أكبرهم اثني عشر عاماً.
الفاجعة في ذلك اليوم من عام 1960 ربما لم تستثنِ أيَّ عائلةٍ في المدينة، فالضحيةُ إن لم يكن ابناً، فهي ابن أخ، أو ابن عم أو خال، فكان الحزن طاغياً، وسُمعت أصوات البكاء والعويل في كل أرجاء عامودا.
القصة بدأت مع إجبار أطفال مدرسة “الغزالي الابتدائية” على الذهاب لسينما “شهرزاد” لحضور فيلم “شبح منتصف الليل” والذي هو بالمناسبة غير مخصص للأطفال وغير مناسب لأعمارهم، وذلك بناء على أوامر مدير ناحية عامودا إبان عهد الوحدة بين سوريا ومصر، لمساعدة “الثورة الجزائرية”، من خلال تخصيص ثمن التذاكر كمساهمة لدعمها.
بناء السينما الطيني احتضن قرابة خمسمئة طفل في صالة لا تتجاوز سعتها مئتي شخص، ومع العرض الثالث للفيلم، انطلقت شرارة نار من محرك العرض القديم، لتنتقل تلقائياً إلى الجدران الخشبية والأثاث، والسقف المكون من الخشب والقش، وهو ما يعد بيئة مناسبة لاندلاع النيران، وهو ما كان.
ردُّ فعل الأطفال للهروب من النيران التي حاصرتهم في كل مكان كان طبيعياً، فاتجهوا نحو الباب الوحيد الصغير للنجاة بحياتهم، لكن الموت كان يتربص بهم هناك، فحصد من أرواحهم ما حصد، ومن حاول منهم القفز من نافذة الصالة، تفاجأ بجب قديم في ساحة السينما في انتظاره ليكون سبباً آخر للموت إلى جانب الاحتراق والاختناق.
الدخان والصراخ وصيحات من نجوا من النيران، دفعت سكان المدينة للتوجه فوراً للشارع الذي تتواجد فيه صالة السينما، للاطمئنان على الأطفال، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
شهادة الحاضرين آنذاك تعظّم بإجلال كبير ما فعله الشاب محمد سعيد آغا الدقوري، الذي اقتحم المبنى المشتعل من الناحية الجنوبية، وأنقذ لوحده قرابة ثلاثين طفلاً من موت محقق، قبل أن ينهار على ظهره أحد الأعمدة ويتوفى.
الحادثة التي حولت عامودا بأكملها إلى مدينة ثكلى، والتي يمر عليها اليوم اثنان وستون عاماً، قيدت ضد مجهول، في عهد جمال عبد الناصر، وليغلق ملفها رغم تعاقب الحكام، ومن بينهم حكم حزب البعث للبلاد قرابة خمسين عاماً.
كل هذه السنين لم تُنسِ أهالي عامودا الحادثة، فكيف ينسونها وبعض ندوب الحريق ما زالت شاهدة على أجساد من نجوا حينها، كيف وأطفالهم، فلذات أكبادهم باتوا قرباناً لحدث في بلد يبعد عنهم آلاف الكيلومترات.
ربما يجهل سكان وهران وعنابة وغيرها من المدن الجزائرية بالفاجعة التي حلت بمدينة عامودا، في ذلك اليوم، لكنها بالنسبة لذوي الضحايا تمثل جرحاً لم يندمل، وسيبقى غائراً في وجدانهم، مهما مضت الأيام.
