في عتمةِ ليلةٍ سادها الوجوم في مدينة تل رفعت بريف حلب الشمالي، امتدت يدٌ مجهولة لتعيد نبش القبور، تاركةً خلفها حبراً أسودَ يمجّد “نظام الأسد السابق”، ويعيد إحياء خطاب “التشبيح” والوعيد.
لم يكن الحبر قد جفّ بعد، حتى سرت في عروق المدينة رعدة غضب عارم، سرعان ما تحولّت إلى شرارةِ نار امتد لهيبها إلى مدن أخرى في محافظتي حلب وإدلب.
تلك العبارات القليلة لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت في الأذهان شريطاً طويلاً من ذكريات القمع، وعقوداً من الظلم والاعتقال والتهجير، وكأنها مخرز يدمي جرحاً لم يندمل بعد.
مدينة تل رفعت شهدت حالة من الاستنفار الأمني المكثف عقب اكتشاف هذه العبارات الاستفزازية على الجدران والمرافق العامة. ومع بقاء هوية الفاعلين مجهولة حتى اللحظة، دخلت أرتالٌ عسكرية إلى المنطقة لضبط الأوضاع الحذرة.
هذا التوتر لم ينحصر في بقعة واحدة، بل تمدد سريعاً ليتحول إلى احتجاجات شعبية واسعة عمّت مدن شمال غرب سورية، حيث تصاعدت حدة التوتر في بلدة كفر عويد بريف إدلب عقب قيام عددٍ من الأهالي بمهاجمة منازل يُتهم أصحابها بالارتباط بالنظام السابق.
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا الفعل لا يمكن تفسيره كحدث عابر، بل يحمل في طياته أبعاداً خطيرة.
ويعتقد خبراء أن جهات خفية تقف وراء هذه الكتابات لزعزعة الاستقرار، وإثارة النعرات الطائفية، ومحاولة إلصاق التهمة بالطائفة العلوية تحديداً، بهدف التحريض على تهجيرهم واستهداف مناطقهم.
هذه المحاولات تأتي لتفكيك النسيج المجتمعي السوري في وقت حساس يحتاج فيه السوريون إلى رص الصفوف.
وتزامناً مع هذا الحراك، تصاعدت الأصوات المطالبة بضرورة الإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. إلا أن الواقع السياسي الحالي يثير مخاوف بنيوية لدى الشارع السوري والمحللين على حد سواء، حيث يتضح الاتجاه نحو عدالة انتقائية بدلاً من الشاملة، ويبرز ذلك من خلال، تسلّم شخصيات أمنية وتجارية كانت محسوبة على النظام السابق لمفاصلَ حساسة في الحكومة السورية الجديدة.
ويُعد صعود قيادي سابق فيما كان يُعرف بـ “الدفاع الوطني” (سيء الصيت) مثل فادي صقر إلى واجهة المشهد، صدمةً للشارع السوري وإشارة سلبية تعزز فرضية إفلات الجناة من العقاب.
إن هذه الصور القاتمة للماضي لا تزال حية ونابضة في وجدان السوريين، والعبارات المكتوبة على جدران تل رفعت لم تكن إلا ناقوس خطر يذكّر الجميع بأن السلام المستدام لا يمكن أن يُبنى على أنقاض المحاسبة. ولسان حال السوريين اليوم في حلب وإدلب يردد بمرارة ذلك المثل الفرنسي القائل: “العدالة المتأخرة هي ظلم متفشٍّ”.
