منذ تموز/ يوليو الماضي، تغيّر شكل الحياة في السويداء جنوبي سوريا، حينها تعرضت المحافظة لهجومٍ من مقاتلي وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية الانتقالية، إلى جانب مقاتلين من البدو، أطلقوا على نفسهم اسم مقاتلي العشائر.
وبعد كرٍّ وفَرّ، وتدخُّلٍ إسرائيلي، انكفأتِ القوات الحكومية ومن والاها عن السويداء، فيما تُرك سكان المحافظة يلملمون جراحهم ويحصون ضحاياهم، الذين كانوا بلا حولٍ ولا قوة، أمام شراسة الهجمات والمهاجمين.
ما جرى، وضعُ ملف السويداء على طاولة المفاوضات بين الحكومة السورية الانتقالية وإسرائيل، التي أكدت أنها ستحمي الدروز في السويداء، ورفضت وجودَ أي سلاحٍ يتبع للحكومة هناك، كما شددت عبر تصريحاتِ مسؤوليها، على أن أي اتفاقٍ أمني، يجب أن يضمن وجودَ ممرٍّ إنساني، يوصل المساعدات لسكان السويداء.
الإصرارُ الإسرائيلي على فتح الممر، يأتي في إطار عدة سياقات، أولُها استغلالُ الحالة السورية، بهدف ترسيخ موطئ قدمٍ دائمٍ في سوريا بشكلٍ عام، وفي جنوبها بشكلٍ خاص، ولِلَجم الأطماع التركية في سوريا، والتي تنامت كثيراً بعد سقوط نظام الأسد، أما ثاني السياقات فهو ضمانُ تأييد الدروز في إسرائيل، لخطط الحكومة في الداخل الإسرائيلي، وفق مراقبين.
على الأرض، لا يخفى على عاقلٍ أن المدينة تعيش واقعاً مأساوياً، فصوامعُ الحبوب باتت خاوية، وهناك نقصٌ كبيرٌ في الطحين والمحروقات، كما أن كميةَ المساعدات المحدودة التي تصل المحافظة، لا تُغني ولا تُسمنُ من جوع.
أهالي السويداء، وفي ظل عجزِ أو تغاضي الحكومة الانتقالية عن توفير الحد الأدنى من الخدمات، لجؤوا إلى الحل البديل، ألا وهو إدارةُ شؤونهم بأنفسهم، من خلال تشكيل اللجنة القانونية العُليا، التي تشرف بدورها على لجانٍ فرعية لتأمين حاجيات الأهالي.
رئيسُ المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، أكد حدوث تجاوزات في السويداء، وتعهد بمحاسبة مرتكبيها، رغم أنه هو بنفسه أثنى على العشائر لما أسماه بفزعتهم، عقب هجومهم على السويداء.
وفي سعيٍّ منه لتدارُكِ الموقف، أعلن الشرع عن تنقلات في القيادات الأمنية، إلا أن الواقعَ أثبت أن خطوته كانت متأخرةً جداً، إذ قوبلت برفضٍ مطلقٍ من الأهالي في السويداء، الذين ما زال الكثيرُ منهم، لديه أقاربُ مخطوفين لدى القوات الحكومية والمقاتلين الموالين لها.
وبين دماء الضحايا ومعاناة مَن بقي على قيد الحياة، تبقى السويداء شاهداً على أن سوريا لم تخرج بعد من دوامة الصراعات، وأن حمايةَ المدنيين ما يزال شعاراً يُرفَع أكثرُ مما يُطبَّق، كما تقف السويداء اليوم على مفترق طرق، بين وعودٍ خارجية لا يَعرف أحدٌ مدى مصداقيتها، وحكومةٍ انتقالية عاجزةٍ عن تقديم الحد الأدنى من الأمان والعيش الكريم.
