أكثر من اثنتي عشرة سنة من عمر الأزمة السورية، والنتيجة أراض محتلة وأخرى باتت مسرحاً للانفلات الأمني والفوضى، وثالثة تئِن تحت وطأة التطرف والإرهاب، وسط تردٍّ معيشي وتدهورٍ اقتصادي وتفكُّكٍ اجتماعي، وبنى تحتية شبهِ مدمّرة بالكامل، وغياب أي أفقٍ لحلٍّ سياسي، ينتشل السوريين من براثن هذا الواقع المأساوي.

حلٌّ ربّما لاح منه بصيص أمل وإن كان خافتاً مع بداية انطلاق مؤتمر جنيف الخاص بالأزمة السورية، في أواخر حزيران يونيو عام ألفين واثني عشر، والقرار الأممي اثنين وعشرين أربعة وخمسين الذي صوّت عليه مجلس الأمن الدولي في الثامن عشر من كانون الأول ديسمبر ألفين وخمسة عشر، وينص على بدء محادثات سلامٍ تحت إشراف الأمم المتحدة حول سوريا..

محادثات تتضمّن تشكيل هيئة حكمٍ انتقالي ذات مصداقية، تشمل الجميع وتكون غير طائفية، مع اعتماد مسار صياغة دستورٍ جديدٍ لسوريا في غضون ستة شهور، وإجراء انتخاباتٍ نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة في غضون ثمانية عشر شهراً، إلى جانب وقف الهجمات ضد المدنيين بشكلٍ فوري، للوصول إلى تسويةٍ سياسيةٍ دائمة.
ولم تفلح محطات جنيف المتكررة ولا حتى آخرها التي عُقدت في فيينا بدلاً من جنيف لأسبابٍ لوجستية مطلع العام ألفين وثمانية عشر، في إحداث أيِّ اختراقٍ بالأزمة السورية، ولا سيما تنفيذ بنود القرار الأممي اثنين وعشرين أربعة وخمسين، التي كانت محط خلاف حول تفسيرها وآلية تنفيذها بين الحكومة السورية والمعارضة.

وحينها قدمت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية للمبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي مستورا مقترحاً بعنوان “ورقة غير رسمية”، تهدف لإحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سوريا، استناداً للقرار اثنين وعشرين أربعةٍ وخمسين، غير أن الحكومة السورية رفضت المقترح، ليجيء بعد ذلك بأيام، مؤتمر سوتشي الذي نظمته روسيا، في محاولةٍ للهيمنة الكاملة على أي مسارٍ سياسيٍّ متعلّقٍ بسوريا، وإنهاء مسار جنيف وتمييع مخرجاته.

عقد مؤتمر سوتشي أو “مؤتمر الحوار الوطني السوري” كما أسمته موسكو، في الثلاثين من كانون الثاني يناير ألفين وثمانية عشر، وذلك برعايةٍ روسيا في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، بمشاركة وفودٍ محسوبة على الحكومة السورية وبعض الممثلين عن المجتمع المدني، وبعض الأطراف السورية المعارضة من دمشق وموسكو والقاهرة وأنقرة، حيث اجتمع نحو ألفٍ وخمسمئة شخصٍ من أصل ألفٍ وستمئة تمّت دعوتهم للمشاركة في المؤتمر.

والمؤتمر الروسي ظهرت حوله إشارات استفهامٍ عديدة، خاصّة لجهة مشاركة مبعوث الأمم المتحدة في المؤتمر، الذي حاول اختزال القضية السورية بمفاهيمَ بعيدة عن جوهرها الحقيقي، واعتبره البعض مؤشِّراً على تراجع الأطراف الدولية الفاعلة عن نموذج الحل الذي تضمنته صيغة جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي اثنين وعشرين أربعةٍ وخمسين.

وكانت روسيا تريد من وراء الحضور المبالغ فيه للمؤتمرين، إعطاء صورة عن مؤتمر سوتشي الذي بدا كتظاهرة مؤيّدة لبقاء الحكومة السورية وَفقاً لرؤية موسكو، بأنه المكان الأفضل لمعظم الأطراف السورية، لكنها صورة ظهرت بلونٍ واحد يشبه عقوداً من حكم البعث في سوريا، فقد رفضت الأحزاب والقوى السياسية في شمال وشرق سوريا المشاركة احتجاجاً على الموقف الروسي من الاحتلال التركي لعفرين، كما غاب أي تمثيل حقيقي للمحتجين السلميين المناهضين للحكومة، بالإضافة لانسحاب شخصيات تابعة لتركيا من المؤتمر قبل انطلاقه.

وكان من أبرز مخرجات مؤتمر سوتشي، الاتفاق على تأسيس لجنة لإعادة كتابة الدستور السوري، ودعوة لإجراء انتخابات ديمقراطية، ونص البيان الختامي على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد حكومي ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254.

وتشكّلت أربع لجان خلال المؤتمر، بقيت منها لجنتان، هما لجنة مناقشة الإصلاحات الدستورية ولجنة المتابعة، لكن اختزال هذا المسار أيضاً بلجنة لكتابة الدستور دون التطرق إلى مستقبل ومصير المنظومة الحاكمة وعلى رأسها الرئيس السوري بشار الأسد، كان محكوماً بالفشل لاعتبارات عديدة، أبرزها آلية تشكيل اللجنة الدستورية واقتصار عضويتها على ممثلين عن الحكومة السورية والأطراف الضامنة لما سمي بمنصة أستانا حول سوريا، وهم كل من روسيا وتركيا وإيران، في وقت لم تشهد أي تمثيل حقيقي للمكونات السورية المختلفة، فضلاً عن أنها تستثني جميع مكونات شمال وشرق سوريا السياسية والاجتماعية وحتى العسكرية.

وأصبح سوتشي وغيره من منصات شبيهة مثل أستانا، محطة وبوابة لبدء مساومات وبازارات لعقد صفقات على حساب السوريين، أنتجت المزيد من المآسي وخلفت دماراً وضياعاً أكبر، وكرّست واقع التقسيم في مختلف المناطق السورية، وأدت لاحتلال المزيد من تلك المناطق وتهجير سكانها وتغيير ديمغرافيتها من قبل تركيا وأدواتها.

بعد كل هذا العطب الذي أصاب الحالة السورية والمحافل الإقليمية والدولية الخاصة بحلحلة أزمتها، تبرز مبادرة الحل السياسي التي تتبناها الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا ومجلس سوريا الديمقراطية عبر الحوار السوري السوري، انطلاقاً من مرتكزات وبنود القرار الأممي اثنين وعشرين أربعة وخمسين، كمخرج وحيد لإنهاء هذه المعضلة.

وعلى الرغم من محاولات أطراف عديدة تشويه صورة هذا المسار في شمال وشرق سوريا، لكونه غير مرتبط بأي أجندات خارجية ويتعارض مع مخططات محلية وإقليمية، فقد أثبت أنه المشروع الحقيقي الوحيد لحل الأزمة السورية، وأصبح محط اهتمام معظم السوريين والعديد من الجهات الدولية الفاعلة، بعد فشل مراهناتها على جميع المنصات والأطراف المرتهنة لمصالح وأطماع خارجية.
