تشهد مناطقُ الشمال السوري المحتلة من قبل تركيا والفصائل الإرهابية التابعة لها، حالةً متفاقمةً من التوتر والاحتقان، نتيجةَ استمرار الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها هذه الفصائل، والتي يُفترضُ أنها أُدمِجَتْ ضمن وزارة الدفاع التابعة لـ”الحكومة السورية المؤقتة”، بموجب قرارِ دمجِ جميع الفصائل، تحت قيادةٍ موحّدة، في خطوةٍ رُوِّج لها على أنها محاولةٌ لتوحيد القرار العسكري.
إلا أن الواقعَ يقول، إن هذا الدمجَ بقي حبيسَ التصريحات الإعلامية، دونَ أي تأثيرٍ فعلي على الأرض، إذ تواصل تلك الفصائل الاحتفاظَ بهياكلها العسكرية والإدارية الخاصة، وتفرضُ سيطرتها على مناطقَ سوريةٍ خارج إطارِ أي رقابةٍ مؤسسية، أو سلطةٍ فعلية للحكومة الانتقالية، ما يكشف ضعفَ هذه الخطوة، وفشلها في تغيير المشهد العسكري القائم.
فصائلُ مثل “الحمزات” و”العمشات” لا تزال تحتفظ بسطوتها الميدانية في عدة مناطق، حيث تشيرُ تقاريرُ حقوقيةٌ ودولية، إلى تورُّط هذه الفصائل في انتهاكاتٍ واسعة، تشمل الاعتقال التعسفي، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات، إلى جانب إدارة سجونٍ سرية، تُمارَس فيها أساليبُ تعذيبٍ ممنهجة، ما يطرح تساؤلاتٍ جديّةً حول مدى قدرة الحكومة الانتقالية، على بسطِ سلطتها وتحقيق العدالة.
زيارةُ رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في شباط/ فبراير الماضي إلى مدينة عفرين، ولقاؤُهُ مع عددٍ من السكان، للاستماع إلى شكواهم بشأن الانتهاكات، كانت مثالاً على الفجوةِ بين التصريحات والواقع، إذ لم تسفرِ الزيارةُ عن أي خطواتٍ عَملية، مما عزّز شعورَ الأهالي بانعدام الثقة بالحكومة، وترسّخَت لدى كثيرين قناعةٌ بأنها غيرُ قادرةٍ أو غيرُ راغبةٍ في إنهاء حالة الفوضى.
ويرى متابعون أن استمرارَ هذا الوضع يُنذر بانفجارٍ في أية لحظة، خاصةً في ظل حِرمان السكان الأصليين من العودة إلى منازلهم، ومصادرةِ ممتلكاتهم، ومعاملتهم كغرباءَ في مناطقهم. هذا الغضبُ الشعبي المتنامي، مع غياب أي بوادرَ للحل، يهدّدُ بتداعياتٍ أمنيةٍ خطيرة، في ظل عجز الحكومة، عن كبح تجاوزات الفصائل، أو تقديم ضماناتٍ حقيقيةٍ لحقوق المدنيين.
ويحذر ناشطون من أن الخطر في شمال سوريا لم يعد مجرّدَ احتمال، بل أصبح واقعاً ملموساً، مشددين على ضرورة فتحِ ملف عودة أهالي عفرين بشكلٍ عاجل، ضمن مسارٍ قانونيٍّ وأمني، يضمن كرامتهم وسلامتهم.
