في تركيا، هناك شخص تقارب سنوات عمره من السبعين، هوايته البقاء في السلطة، وتعديل الدستور بما يوافق هواه، وأجندات حزبه، ولكن بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية التي جرت في البلاد الشهر الفائت، عبر عن نيته بتغيير جوهر الدستور، وليس تعديل مواد منه فقط.
الشخص الذي تحدثنا عنه آنفاً هو رجب أردوغان، الرئيس الثاني عشر لتركيا في رداء الجمهورية الذي عاصرته قبل قرن من الزمن، ليكون بديلاً عن عباءة السلطنة العثمانية التي انهارت عقب نهاية الحرب العالمية الأولى.
أردوغان وعبر سنوات حكمه التي تجاوزت العشرين، عدل مواداً في الدستور، عدة مرات، إلا أن أبزرها كان التعديل الذي بدّل فيه نظام حكم البلاد من برلماني إلى رئاسي، حجته في ذلك الوقت لتمرير التعديل قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي كانت أن البلاد لن تتقدم ولن تتطور إذا لم تتحول إلى نظم الحكم الرئاسي، وفق زعمه.
قبل الانتخابات الأخيرة، بدأ أردوغان الحديث عن تغيير الدستور، لأنه حسب وصفه هو دستور انقلابي، وذلك لصياغته في فترة دموية في تاريخ تركيا عقب انقلاب عام 1980.
هذا الدستور ما زال ساري العمل به إلى الآن، ويتكون من 7 أقسام و155 مادة أساسية، بالإضافة إلى 21 مادة مؤقتة، وينص على أنه يُمنع منعاً باتاً تعديل المواد الأربع الأولى منه، والتي تتضمن الأسس العامة للدولة، ومنها علمانية الجمهورية، وحصر اللغة الرسمية للدولة باللغة التركية وشكل العلم والنشيد الوطني.
فيما عدا هذه المواد فإن التعديل طال مواداً كثيرة من الدستور، على مدار السنوات الأربعين الماضية، لكن كيف السبيل إلى صياغة دستور جديد في تركيا.
تغيير الدستور يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، البالغ عددهم 600 نائب، إلا أن تحالف “الجمهور” الذي يقوده حزب العدالة والتنمية تبلغ حجم كتلته 323 مقعداً، وهو ما يفرض على أردوغان التفاوض مع المعارضة لتمرير مشروع التعديل.
في تركيا، الكل يرغب بتغيير الدستور، من هم في السلطة، وكذلك من يقف في صف المعارضة، لكن رؤية الطرفين للتغيير تختلف، فلكل منهما وجهة نظر، تختلف مئة وثمانين درجة عن الأخرى، فبينما يسعى حزب العدالة والتنمية ومن خلفه أردوغان لتوطيد الحكم الرئاسي، وربما إضافة مواد تسمح له بالبقاء في السلطة لأكثر من ولايتين دستوريتين، تسعى المعارضة لإعادة البلاد لنظام الحكم البرلماني، وهو ما يرفضه رئيس النظام التركي جملة وتفصيلاً.
البرلمان التركي يضم سبعة أحزاب ضمن ثلاث كتل برلمانية، كتلة تحالف الجمهور وهي كتلة السلطة، وكتلة تحالف الأمة وهي تمثل التحالف الذي عرف بـ “الطاولة السداسية” المعارضة، وكتلة تحالف الكدح والحرية وهي الكتلة التي يمثل معظم مقاعدها حزب الخضر اليساري، وهي كتلة معارضة أخرى في البرلمان.
إذاً وفق الأرقام فلا أحد يستطيع الانفراد بقرار تغيير الدستور، وتطلعات التغيير هذا تختلف من فريق لآخر، فكيف يمكن أن يتلاقى الأضداد، وكيف يمكن لأحدهم إقناع الآخر.
تركيا على موعد مع معركة عض الأصابع، ومن يتأوه أولاً يخسر المعركة، فهل ستكون هزيمة جديدة لأحزاب المعارضة، بعد هزيمة الانتخابات أم أنها ستكون سقطة لأردوغان ربما تكلفه موقعه في السلطة وكذلك في الحزب.
