أعلنت تركيا نيتها إبرام اتفاق مع سوريا للتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط خلال عام 2026، ويأتي هذا الإعلان في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التنافس على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وتداخل الملفات الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية.
بحسب تصريحات وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، فإن أنقرة ودمشق وقعتا في وقت سابق من العام الجاري اتفاق إطار للتعاون في مجال الطاقة، على أن يستكمل باتفاق خاص بالتنقيب البحري خلال العام المقبل, وأوضح بيرقدار أن المرحلة اللاحقة قد تشمل إجراء أبحاث زلزالية لتقييم الموارد المحتملة قبالة الساحل السوري.
ويشير هذا المسار إلى انتقال التعاون بين البلدين من المستوى السياسي إلى مشاريع ذات طابع اقتصادي واستراتيجي، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي يشكل أحد أعمدة السياسات الإقليمية لتركيا خلال العقد الأخير.
تندرج الخطوة التركية ضمن مشهد أوسع من التنافس في شرق البحر المتوسط، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن أي اتفاق تركي سوري للتنقيب البحري قد يثير مخاوف لدى كل من اليونان وقبرص، لا سيما إذا مهد لاحقاً لترسيم منطقة اقتصادية خالصة بين أنقرة ودمشق.
وتأتي هذه الحساسية في ظل الخلافات القائمة أصلاً بين تركيا من جهة، واليونان وقبرص من جهة أخرى، حول الحدود البحرية وحقوق استغلال الموارد، ما يجعل أي تحرك جديد في المنطقة محاطاً بتداعيات سياسية وقانونية محتملة.
ورغم امتلاك سوريا احتياطيات غازية مثبتة، خصوصاً في الحقول البرية، فإن الاستثمار البحري ظل غائباً لعقود وتشير بيانات ما قبل عام 2011 إلى أن احتياطي سوريا من الغاز الطبيعي يقدر بنحو 8.5 تريليون قدم مكعب، إلا أن الإنتاج تراجع بشكل كبير خلال سنوات الحرب من نحو 8.7 مليارات متر مكعب عام 2011 إلى قرابة 3 مليارات أمتار مكعبة في عام 2023.
وفي هذا السياق، ينظر إلى الساحل السوري باعتباره مجالاً جديداً للاستكشاف، سواء من قبل تركيا أو شركات دولية، في ظل إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والسياسية في البلاد، فمن جهة تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها في شرق المتوسط كممر ومركز إقليمي للطاقة ومن جهة أخرى، يشكل الانخراط في الملف السوري الاقتصادي امتداداً لمسار التقارب السياسي بين البلدين.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى ملف التنقيب البحري قبالة الساحل السوري مرتبطاً بتوازنات إقليمية دقيقة، حيث تتداخل مصالح الدول المطلة على المتوسط، والشركات الدولية، والتحولات السياسية في سوريا، ضمن مشهد مفتوح على احتمالات متعددة خلال السنوات المقبلة.
