“يجب أن أكونَ في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. تم تعيينُ الوصاةِ ثلاث مرّاتٍ في بلديتي”، بهذه الكلمات اختصر، أحمد تورك، رئيس بلدية ماردين جنوب شرقي تركيا، ما حصلَ يومَ الرابع من الشهر الجاري، بعد عزل النظامِ رؤساءَ ثلاثِ بلدياتٍ في قائمةٍ ضمّت إلى جانبه، رئيسةَ بلدية باتمان، ورئيس بلدية خلفتي في ولاية أورفة.
قراراتُ العزلِ هذه التي تطالُ رؤساء البلديات، ليست جديدةً على المشهد الداخلي التركي، فهي تستهدف في معظمها مسؤولين محليين، يتبعونَ أو ينتمون لأحزابٍ معارضةٍ للنظام، فمن قبل كان حزبُ الشعوب الديمقراطي المعارض، تحت مِقصلةِ النظام، وقراراته بسلب نتائج الانتخابات، واليوم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب يلاقي المصير ذاته.
القاسمُ المشترك في قرارات العزل في السابق والآن، هي أن رؤساءَ البلديات المعزولين، يُتّهمونَ من قبل النظام، بأن لهم صلاتٍ مع الإرهاب، ذلك المصطلح الفضفاض الذي يبقى حبيساً، إلى أن يُلصقَهُ النظام بمَن يعارضه، في سياسةٍ باتت مكشوفةً للقاصي والداني.
عزل رؤساءِ بلدياتٍ مُنتخبين، واعتقالهم، ومصادرة خيارات الناس لمن يدير بلديتهم، كل هذا لم يحرّكْ في المجتمع الدولي ساكنًا، وهو الذي لم ينبسْ ببنت شفة، وآثر الصمت كعادته المعهودة إزاء انتهاكات النظام التركي بحق الكرد، إن كانوا في تركيا أو خارجها.
الانتهاكات هذه ليست وليدةَ اليوم أو الأمس، بل هي متجذرةٌ في ديدن النظام القائم على إقصاء المختلف، والمتضررُ منها ليسوا فقط رؤساء البلديات المنتمين لأحزابٍ معارضة، إذ إن عمليات اعتقالِ الصحفيين الكرد، ما تزال نشطةً في تركيا، لا سيما بعد تشريع قانونٍ في تشرين الأول/ أكتوبر، عام ألفين واثنين وعشرين، زعم النظامُ بأنه يكافح التضليل الإعلامي، ويُعدُّ فعلياً رأسَ الحربة التي يحارب بها النظامُ كلَّ مُخالفٍ لفكرِهِ أو رأيه في وسائل الإعلام.
لكن اللافت أن سلسلةَ قراراتِ العزل هذه، جاءت بعد مبادرةٍ زَعَمَ مَن أطلقها وهو رئيس حزب الحركة القومية، دولت بخجلي، حليفُ رئيس النظام التركي رجب أردوغان، بأنها تسعى لحل القضية الكردية في تركيا.
مبادرةٌ حرّكت المياه الراكدةَ في القضية الكردية في تركيا، تلك القضية التي أرّقت النظامَ التركي مُذ وُجد، ورغم ما شهدته من تحولاتٍ وتقلبات، إلا أنها بقيت عصيةً على الحل، لا سيما مع قراراتٍ تتخذها أنقرة بين حينٍ وآخر، تؤثر بشكلٍ سلبيٍّ على أي مقترحاتٍ للحل.
فما بين المزاعم التركية التي تتحدث عن السلام مع الكرد، والواقع الملموس على هيئة قراراتٍ ناسفةٍ لأي جهودٍ حقيقيةٍ في سبيل ذلك، ذهب مراقبون إلى تشبيه أردوغان، الذي يخلق لنفسه أعداءً من لا شيء، بدون كيشوت، الذي حارب طواحين الهواء، في رواية الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيرفانتس.
