أثار رفض الحكومة السورية الانتقالية الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ودولة أرض الصومال موجة واسعة من الجدل السياسي، ليس فقط بسبب طبيعة الموقف بحد ذاته، بل لما يحمله من تناقض صارخ مع مواقف سابقة اتخذتها الحكومة نفسها، وعلى رأسها اعترافها بدولة كوسوفو في تشرين الأول الماضي، وفق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
الحكومة السورية الانتقالية بررت رفضها الاعتراف بأرض الصومال بأن هذه الخطوة تقوض الاستقرار في الصومال، وتهدد وحدته الإقليمية، متبنية بذلك خطاباً تقليدياً طالما استخدمته دول ترفض الحركات الانفصالية أو الكيانات غير المعترف بها دولياً.
غير أن هذا التبرير سرعان ما يصطدم بحقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، إذ إن دمشق نفسها اعترفت بدولة كوسوفو، رغم أن صربيا ما زالت تعتبر الإقليم جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، ورغم أن الاعتراف بكوسوفو شكّل، ولا يزال، أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في النظام الدولي.
هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً ألا وهو، هل تعتمد الحكومة السورية الانتقالية مبدأ ثابتاً في سياستها الخارجية، أم أن مواقفها تخضع لاعتبارات ظرفية وضغوط إقليمية؟
في حالة كوسوفو، رفعت الحكومة شعار حق تقرير المصير وإرادة الشعب، معتبرة أن الاعتراف يأتي انسجاماً مع القيم الدولية والشرعية السياسية، أما في حالة أرض الصومال، فقد اختفى هذا الخطاب تماماً، ليحل محله حديث عن الاستقرار ووحدة الدول، وكأن المبدأ نفسه بات قابلاً للتجزئة والتأويل وفق الجهة المعنية.
اللافت أن هذا التباين لا يمكن فصله عن التأثير التركي المتزايد على القرار السياسي في دمشق، فتركيا كانت وما تزال من أبرز الداعمين لاستقلال كوسوفو، واعتراف الحكومة السورية الانتقالية بها جاء في سياق تقارب واضح مع أنقرة، ومحاولة لكسب رضاها السياسي والدبلوماسي.
في المقابل، تنظر تركيا بحساسية بالغة إلى أي حركات انفصالية، سواء في محيطها الجغرافي أو في مناطق تعتبرها ضمن مجال نفوذها، وهو ما يفسر جزئياً موقف دمشق المتشدد من قضية أرض الصومال.
بعبارة أوضح، يبدو أن مبدأ حق تقرير المصير ليس قاعدة تحكم السياسة الخارجية السورية، بل أداة تستخدم حين تخدم التحالفات الإقليمية، وتهمل حين تتعارض مع مصالح الحلفاء، وفي مقدمتهم أنقرة.
هذا النهج لا يضعف فقط مصداقية الحكومة السورية الانتقالية على الساحة الدولية، بل يكشف أيضاً عن ارتهان قرارها السيادي لتوازنات خارجية، ما يثير تساؤلات أعمق حول استقلالية السياسة الخارجية في مرحلة يُفترض أنها انتقالية، تمهد لبناء دولة قائمة على مبادئ واضحة لا على ازدواجية المعايير.
