حقيقة أطماع النظام التركي باحتلال الأراضي السورية، واستعادة إرث الدولة العثمانية، بدأت تتكشف تباعاً وفقاً لمبادئ ما يسمى الميثاق الملي، الذي أقرته تركيا قبل أكثر من مئة عام، في محاولةٍ لاستعادة الأراضي التي كانت تحتلها في كلٍّ من سوريا والعراق، وبعض جزر بحر إيجه والبحر المتوسط.
فبعد مئة عام من رفضه في لوزان عام 1923 يحاول رئيس النظام التركي رجب أردوغان اليوم إحياء الميثاق الملّي الذي اعتمده ما يسمى آنذاك مجلس المبعوثان العثماني عام 1920م والذي يعتبر كامل شمال وشرق سوريا وإقليم كردستان إضافة إلى الموصل وأجزاء من اليونان وأرمينيا، مناطق تركية يجب إعادتها إلى السيطرة التركية وكأن التاريخ المأساوي للمنطقة يكرر نفسه من جديد.

أولى خطوات إعادة احتلال مناطق الميثاق الملي بدأت مع فتح النظام التركي الحدود أمام إرهابيي داعش لنشر الفوضى في كلٍّ من سوريا والعراق، بالتزامن مع احتلاله مناطق جرابلس والراعي والباب وعفرين، وصولاً إلى كلٍّ من رأس العين/ سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي شمال سوريا، وتهجير سكان تلك المناطق، التي قال أردوغان عام ألفين وثمانية عشر إنها كانت ضمن حدود الميثاق الملي.

عقبت تلك الخطوات مخططات تمثلت بإنشاء مؤسّسات حكومية في المناطق المحتلة على نمط الموجودة بتركيا، وتشكيل سلطاتٍ محلية ومحاكمَ وخدماتٍ بريدية، ومراكزَ تعليمية تركية، علاوة على إجراء عمليات تغيير ديمغرافي من خلال توطين عوائل الفصائل الإرهابية في المناطق المحتلة، ومحاولة إقامة ما تسمى بالمنطقة الآمنة وصولاً إلى إنشاء إقليم تابع لتركيا يمتد من إدلب غرباً وحتى الحدود العراقية شرقاً، أي ضمن حدود ما يسمى بالميثاق الملّي.
مخططات النظام التركي تلك، أخذت تتفاقم على نحوٍ تصاعديٍّ لا سيما في سوريا مع سقوط النظام رغم التحذيرات الدولية والإقليمية من مغبة التدخل الخارجي في الشؤون السورية، وهو ما يعني إن استمر بحسب مراقبين إعادة الأمور إلى مربعها الأول وبالتالي إدخال الشعب السوري مجددا في دوامة صراع لا ينتهي.
ويرى محللون ومتابعون للشأن الدولي أن أوهام تركيا بالتخلص من اتفاقية “لوزان” لصالح العودة إلى الميثاق الملي، أي احتلال أراض سورية وعراقية، ليست سوى أحلام ولدتها الفوضى التي اجتاحت المنطقة، مشيرين إلى أن قضية تغيير الاتفاقيات الدولية أكبر من قدرة تركيا وحجمها وأحلامها، لا سيما وسط تعالي الأصوات على وقع تفاقم الأزمات في الداخل التركي بسبب السياسات الخاطئة التي يمارسها نظام أردوغان داخل تركيا وخارجها.
